قصائد الفكاهة

رسائل نصية

(بوعبيد) رجل نشيط يحمل مسئوليات كبيرة، يومه يبدأ باكرا ويقضيه في عمل دءوب، يلجأ إليه الأطباء والمرضى وذويهم ناهيك عن موظفيه، تفتقده عائلته الصغيرة كثيرا فليس في جعبته الوقت الكافي للاهتمام بهم، ولكنه يحاول جل جهده لإرضاء الجميع ومنهم الأصدقاء، وصديقه عميد عزاب (الفريج) يبحث دائما عن أي مأخذ يحاور فيه (بوعبيد)، وتصادفت الظروف ذات  يوم سمع فيه الأعزب المكار عن عقد قران أحد إخوة (بوعبيد) فاستغل الفرصة المرجوة وبعث برسالة على هاتفه النقال يشيع زواج (بوعبيد) سرا بدلا من الحكاية الحقيقة ويلومه كأن إشاعته واقع لا شك فيه ولا ريب:

 

وش تبغي يا بوعبيد بالعرس   وآنا أحيدك دوم مشغول

وإلا الهوى زادك وجع ضرس   ونسيت عن مرضاك مسئول

لإنسان يكفي ف عمره الدرس    ولا يكرر الغلطات مدبول

فكّر قبل خمسك على خمس     تضرب وباب الحل مقفول

شوف العزوبي ولعبة الدس    لي فاهم الدنيا باللأصول

 

وبالطبع لم يتكاسل صاحبنا وبعث بنسخ متعددة من قصيدته الملغومة إلى جميع الأصدقاء ولم تمض دقائق وبدأت المكالمات تمطر غزيرا على هاتف (بوعبيد) قبل أن ينتهي من قراءة القصيدة، فالبعض يبارك ويهنئ  والبعض الآخر يشجب وينكر و الكثير منهم يتحسر على تخلفه معركة (الذبيحة)، و(بوعبيد) حائر في شرح الموقف مع الجميع، وحل الموقف الصعب، فالجميع يظنه متهربا من الموقف ساترا على نفسه، خائفا من انتشار الخبر كالنار في هشيم المجتمع ، على كل حال مر مقلب صاحبا الأعزب بسلام هذه المرة، و(بوعبيد) لا زال يترقب حذرا منذ أشهر.

 

وبعد أشهر تغيرت الموازين ولا يزال عميد العزاب في (الفريج) لا يصدق بأنه سيترك سماء العزوبية وسيسلم نفسه إلى سلطات قفص الزوجية، وبأنه سيتنازل عن عرش الحرية، راضيا بحكم السنين وطول العقود الثلاث الماضية، فتراه راجعا إلى البيت في الساعات الصباحية حاملا أو محمولا بالنعاس ومتوجها إلى السرير بكل انضباط. وكالعادة يستيقظ نشيطا ومهرولا و(متغربلا) إلى السيارة يرى ألوان الإشارات المرورية كلها خضراء، ليوقع توقيع الحضور متأخرا ومتحسرا بعد جهد مشكور، ويبدأ بتفقد أزرار (كندورته) زرا بعد زر، والتأكد من لون (الطربوشة)، ويسأل العيون (المغمصة) في المرآة هل صحيح بأني سأوفي بوعودي وأتحمل تكاليف الزواج ولم يبقي الكثير من تاريخ انتهاء صلاحية حياتي الزوجية. نعم هموم عميد العزاب كثيرة فالمسئولية أصعب ما يواجهه في مسيرته الحافلة بالنجاحات بين أخوانه العزاب والحال يختلف بالطبع مع الوضع الجديد، فالحب يملأ كيان الأعزب العاشق، وصورة شريكة حياته تشغل خطوط أحلامه، والسهر حله الوحيد أمام إزعاج المخدة وكوابيسها، لذلك فلابد له أن يجد من يشاركه همومه، ويسمع أنينه، ولن يكون أفضل من (بوعسكور) أول معتزلي العزوبية:

 

العرس قرّب يا بو عسكور    و الحال  ما بدلّته بحال

راقد و متقلب  ب الفكور    يميني ما أعرفه من شمال

إن قلت أفكّر راسي يدور    وإن قلت أصبر يتني اخبال

وش حيلتي لا صرت مجبور    و مقفول  باب الوصل بقفال

 

الرسالة وصلت إلى (بو عسكور) عبر الهاتف النقال، وبدأ يشمت في صاحبه ويقلب مواجعه ويعيد مآسيه والأعزب العاشق يستمع صابرا متصبرا على مصيبته.

تعب عميد العزاب وهو يحاول الاتصال بصديقه (بوعسكور) _أو (بو مجرن) كما سمى ابنه البكر_ ولكنه يصطدم بهاتفه المغلق، وكلما فشلت المحاولات يزداد إصرارا وحاجة إلى أذن صاغية، مع أن (بوعسكور) يتفنن في (مغايضة) أصحابه ولكنه يظل المتزوج الحكيم ذو الرأي السديد الذي لا غنى عنه في كل الأحوال. وبعد محاولات مضنية في البحث والتحري، أتت الأخبار تعلن عن سفر (بوعسكور) المفاجئ وبقاء صاحبنا الأعزب وحيدا يكابد التزامات العرس، فبعث بالرسالة التالية على هاتفه النقال يشكو له الحال ويطلب منه العون:

 

سافرت يا (بو مجرن ) وسرت     وادعيتني في العرس محتار

عني شردت وما تصبرت      خليتني   في جنة و نار

يا خوي من نفسي تكدرت      سرت وجلست في وسط دوّار

كل من طلب ما فيه قصرت      وعقب التفلّس جبت لأعذار

الحل أدوره وما تدبرت     دوخت راسي بكثر الأفكار

ونت صديقي وفيك عبرت     كل المشاعر عبر الأشعار

ليتك تثيب وليت ما طرت   في الجو عني بجنح طيّار

 

وكعادته ورغما عن ظروف سفره يفاجئ (بوعسكور) صاحبه باتصاله فهي فرصته كي يشمت ويرفع ضغط الأعزب المسكين، الحائر بين ألوان (الكوشة) وأضواءها، (والزهبة) ومتطلباتها، والأغاني وكلماتها ناهيك عن الزفة وأجوائها، كلها طلبات بسيطة فالمطر والثلج والليزر كأن الزفة افتتاح لكأس العالم أشياء قديمة وأفكار مستهلكة غير قابلة للتكرار، ويجب على عميد العزاب بخبرته الواسعة في تقديم العزاب إلى قفص الزوجية، إيجاد الأفكار المبتدعة وتشريف مكانته بين المعازيم.

بدأ عميد العزاب في عمليات جني أرباحه من الأسهم ودفعها مع رأس المال في سبيل تسديد مصاريف العرس، وتتراكم الالتزامات يوما بعد يوم وأخونا يبحث عن مصادر دخل أخرى يكمل به المستلزمات المتزايدة، فالراتب كشف بأضعافه والبطاقات الإئتمانية وصلت إلى سقفها ومصادر الديون استهلكت جميعها ولم يبقى سوى أن يرهن صاحبنا أيام العزوبية الطويلة، فهي ما يملك الأعزب إن يقبل بها الآخرون، و(بوعسكور) الصديق الحاضر في التضييق، انقطعت مواساته واتصالاته من تزايد ضغوط الأعزب المدين الذي بادر بالرسالة النصية التالية يشكو القليل من الكثير:

 

إدفع دفع الحال والمال    لين اطلعت روحي من الروح

معرس وشكوايه م الأهوال    أجمع خساير دون مربوح

ويا سيدي طرشت مرسال    أشكي لك من الهم وآنوح

على زمان ٍ ضمن الأبطال    كنت أنحسب واليوم مجروح

ما شلت حمل ٍ كان ينشال     أصيح كني ديك مذبوح

هذا جزا اللي يسمع أقوال     ويترك ذرى العزاب ويشوح

 

نجد الندم جليا في شكوى عميد العزاب، كأنه ظن بأن الحياة الجديدة ستحل العديد من المشكلات، وستحمل له الأفراح والحياة السعيدة، ولكنه اصطدم بالجميع، فلا من مسهل للأمور ولا من مضمد للجروح، فالكل يأتي بالأفكار الخيالية ويثقل الكاهل ويكسر الكاحل، والأعزب المسكين يلبي قدر ما يستطيع ولا يتردد في الهروب متى يجد ثقب إبرة، فالديون وإن تراكمت لم تعدل من الأوضاع شيئا، بل زادت الطين بللا، وزادت البلل ماءا حتى غرق صاحبنا بين البحر وبين البحر، ولم يتمسك إلا بالأمل كطوق نجاة، ربما يصل به إلى بر الأمان.                         

                        

 

اقتربت ساعة الصفر وهي الساعة التي سيودع عميد العزاب حياة التشرد ويسلم نفسه المستسلمة إلى سجن الأبدية، ولكن هل من المعقول أن يجتهد في ذلك ليلا ونهارا، خفية وجهارا. فلا زلنا نرى المشقة الكبيرة التي يعاني منها، وآخرها طلب تأجيل ليلة العمر الذي قسم ظهر الأعزب المنهك من طول الانتظار، قبل أولها وهي قائمة الطلبات الشبيهة بفاتورة الجمعيات التعاونية، إلى أن ذاع صيته في المدينة بين الصغار قبل الكبار، وفي هذه المعمعة اكتشف الأعزب الحائر عودة صاحبه (بو عسكور) من رحلة السفر دون أن يخبره بذلك فأنشد جريحا ومعاتبا:

 

سمعت عنك راجع الدار    يللي نويت اتسافر بعيد
وينك تعرف اشوه لي صار    من عقب ما أقفيت يا سيد
طلعت أنا في نشر الأخبار    أعد من همي المناشيد
في صاحب ٍ سنتين محتار     أتابعه  ولا صار في الإييد
كل يوم له في عرسي أعذار    يغيّر ويأجل مواعيد
وآنا اتقلّب كني ب نار    من طول ليلي بالتساهيد
وإن رحت أرقد كن مسمار   بالدق له في الراس ترديد
وإلا سريري فيه نجّار   سهران لين الصبح وآعيد
 يا ليت تسعفني بالأشعار    وتثيبني بالعيل يا سعيد

 

وكالعادة لم يتوانى صاحبه (بوعسكور)، بالمماطلة في الإجابة على القصيدة المرسلة إلى هاتفه النقال، بل أخذ متسعا من الوقت يكفي لرفع ضغط  صديقه الأعزب الفارغ من الصبر والفارغ من الحيلة أمام متطلبات الحياة الجديدة.

كان (بوعسكور) يعتبر شكاوي الأعزب الحائر مزحا كما جرت العادة ولكنه بدأ يصدق ذلك بعد عودته من السفر وبعد أن رأى تأثير كل ما جاء في القصائد مسموعا في بحة صوته، فبعث بهذه الأبيات يسأل عن جديد حاله:

 

بالغنا يا طير كسرت الحديد   صوتك اتغير وحالك شو بلاه
عهدي بك يا طير لك باس ٍ شديد   لسحايب معتلي بحشمة وجاه
مدري اش غيرك وشو العلم الجديد  صاحبي أبغي تفسر لي امعناه    

 

وصلت الرسالة النصية إلى البريد الوارد وأثلجت صدر الأعزب الملتهب بنار الشوق ولوعة الحب، فقد طال انتظاره لأذن صاغية، وصديق يشاركه بعض ما يعاني، فالقش المناسب لبناء عش الزوجية غالي الثمن، والشجرة المناسبة تاه الأعزب في البحث عنها، ورضي أخيرا بتسليم نفسه إلى قفص ذهبي وهو المقر الطبيعي لكل المتزوجين عاجلا غير آجل، وهذا ما كان يعيره به (بوعسكور) دائما، على كل حال سارع الأعزب بالرد على قصيدة صاحبه بالرسالة النصية التالية: 

 

مرحبا يا حي به حلو النشيد    لي غمرني بالكرم طيب امعناه
يوم ياني بالمسج عبر البريد    شاقني التعبير ورددته وراه
شاعر وصار السعد باسمه سعيد    صوته أسعدني ويسعدني صداه
أبتهج أوقات يبعث لي قصيد    وانحرج من طيب طبعه ومن وفاه
بس من صار القفص بيتي الجديد   شفته اتغير وقلبي ما سلاه
يدري إني ف عسر وف أمر شديد   وزادني باللوم وحالي ما رعاه
ليت يسعفني ويصبح لي عضيد     ولا يشمّت في ّ أعدايه وعداه

 

تأثر ( بو عسكور) بشكاوي عميد العزاب، وهبّ لإعانته بعد رجوعه من السفر، ووصول الرسالة النصية التي ذكرناها في عمود الأسبوع السابق، وبدأ بمشاطرة صديقه المصاعب والمتاعب، فقد لاحظ (بوعسكور) اصفرار وجه صديقه ونحول جسمه ورسوم الإرهاق على ملامحه، كأن الحب والغرام بدأ يأخذ الكثير من عافية الأعزب المتأرجح بين عالم الزواج وعالم العزوبية، ولاحظ رغم كل هذا أيضا إصرار الأعزب على الخروج من هذا المأزق الصعب، والتضحية في مواصلة الطريق للحفاظ على المكاسب، وعدم التراجع والاستسلام بعد هذه الجهود الكبيرة. لذلك فقد بدأ (بوعسكور) بسرد النصائح ليهتم الأعزب بصحته قليلا، ولا يتضايق من الهموم الكثيرة التي يواجهها بعد أن تورط في مشروع عش الزوجية وغرامه بالعصفورة، وهذه الأبيات كانت ردا على استفسار ( بو مجرن) عن تقلب أحوال الأعزب:

 

يا سعيد شو أخباره     المعرس لو ضعيف
دام أصبحت أقداره         يرقد فوق الرصيف
ضاع الولد يخسارة     الكاشخ والنظيف
لي صيته في الإمارة        واصل لين القطيف
الجوع كل أعذاره       دايم بطنه خفيف
سو خير لو كفارة     طرش تونة ورغيف
لي ما مسك سنارة        لا يحلم بالكسيف

 

فالأعزب المهموم فقد شهية الأكل والشراب وبات يفكر في حل لمشاكله الكثيرة التي أصبحت على لسان كل الأصدقاء، ويعرفها القاصي والداني، على أمل إيجاد طريقة ما للخروج من هذا المأزق الصعب.

 

تواصلا مع شكاوي الأعزب (المديون) من هموم العرس، نكمل هذه السلسلة، فقد  أُلزم صاحبنا الأعزب الحائر، بتجهيز بيت العزوبية وتحويله إلى عش الزوجية كما ذكرنا سابقا. وبعد هذا التغيير المفاجئ دق جرس الإنذار واستنفرت جميع أجهزة الأعزب الاقتصادية، وأهمها الآلة الحاسبة وبدأ بجمع الأرباع والأخماس وضرب الأسداس في الأسباع وحصر الأرقام بعد الأرقام، والمشكلة الكبرى طبعا في إيجاد المعادلة المناسبة للمتغير الجديد، ولم يحل الوضع القائم إلا بارقة أمل يترقبها صاحب الورطة، والوضع تغير قليلا بعد أيام، وباتت الهدايا تتقاطر على صاحبنا الأعزب الرافض للجهود المضنية في إنشاء جمعيات نقدية وأخرى عينية لأجل العون، ناهيك عن الصندوق العائلي الذي سيثقل كاهله بدلا من تخفيف أعباء مصاريفه. وأول الغيث قطرة والقطرة جاءت غيثا في اتصال خاله (بومحمد) صاحب المكارم السخية الذي أهداه غرفة نوم تليق (بالمعاريس) وكانت الهدية في وقتها المناسب وحركت قريحة الأعزب بهذه الأبيات التي وصلت إلى هاتف الخال (بو محمد) وصندوقه الوارد:

 

مشكور وما قصرت يا الخال    يا مهديني  غرفة النوم
الحق والله فيك ينقال    سابق جميع الناس بعزوم
مثلك رجل يضرب به أمثال      لكن مثلي يشكي علوم
لأول عزوبي مريح البال     ماشي منّه كنت محروم
واليوم في عثرة وغربال    مديون صرت و زود ملزوم
العرس بدّل حالي أحوال     ما أرقده ليلي شرا البوم
الحال أدوره وكيف بحتال     ما دامني في الحب محكوم

 

 

لا شك بأن الوقت أدرك العريس أو عميد العزاب كما عرفناه سابقا وبات يشكو من قلة الحيلة ولكن توكله على الله فتح أمامه أبواب الفرج، فالزواج وإن حاول الناس وضع العراقيل أمامه يتكفل الله بالوقوف إلى جانب من يشتري العفة والحلال. فبعد هدية الخال (بومحمد) جاءت باقي الهدايا كأنها تكمل المتطلبات الناقصة، ف (بو حمد) أرسل العود الطيب و(أم عبدالله) وصلت من الهند محملة بدهن العود وأخيرا (أبو البنات) نسبة إلى بناته طبع بطاقات الدعوة وأرسلها للمعرس كي يبدأ بدعوة الأقارب والأصحاب، وأمام كل هذه المتغيرات السريعة لم يجد المعرس إلا السجود شكرا لله تعالى على ما أنعم عليه في تيسير أموره، وبعد ذلك بدأ بشكر باقي أصحابه ومنهم أبو البنات (مسفر) حين أرسل إليه الأبيات التالية على هاتفه النقال تعبيرا عن مدى امتنانه وتقديره لهذه المحبة الكبيرة بطباعته البطاقات:

  

يا بو البنات أشكرك بالزود    وأعزمك عل العرس ببطاقة
عندي لسان المدح معقود     يا وافي ٍ عهد الصداقة
(مسفر) ولي في وصفك شهود     بالفعل لك في الخير فاقة
الشاهد الله وعهدي عهود    فرحت قلبي باشتياقه
ولجلك كتبت الشعر منشود   وأشكي لك من الصبر طاقة
ومن الهوى والعلم رقود       واللي ف خيالي من عناقه
لكن لي أخشاه بالزود    عهد العزوبية فراقه
 

والغريب في الأمر أن المعرس وإن قرب موعد العرس لازال متمسكا (بعهد العزوبية) وغير مقتنع بالتنازل عن ميراثه بعد تلك الحقبة الطويلة من التشرد.

 

وقف العريس أمام صالة الأفراح مستقبلا زواره ومهنئيه وبدأ بتوزيع الابتسامات المجانية تعبيرا عن سعادته بليلة الفرح الكبيرة، وهو يشكو داخليا ما تكبده من خسائر تندرج تحت بند الإسراف ومسمّى الضروريات، فالمبالغة والبذخ في مهرجان العرس بات واضحا للعيان، والمعرس المتكلف بكل ذلك غارق في حسرته وهو يرى تعب السنين يرمى أمامه بكل سهولة، فما كان منه إلا أن يبعث بهذه الرسالة النصية إلى هاتف (بوعسكور) المشغول بالحديث عن العريس بين أصدقائه ( والحش فيه) وسرعان ما انتشرت الرسالة النصية بين الهواتف النقالة في العرس وهي:

 

أمرض يلو قالوا معاريس    ولا اهتني بتكّه ومكبوس
من حيث لنّه حاضر ابليس    ايبذر النعمة ولفلوس
واليوم أنا ضمن المفاليس   أصبحت لو لي بطن متروس
آكل من همومي قراطيس      وأعطي لمن يسألني دروس
لي ما رضى حال المتاعيس    يختار قدّه كل ملبوس
لا يقلّد اللي اممّلي الكيس  ولا يتبعه لي بمال مكدوس
يحفظ فليساته ف مناديس    عن لا اتغدي حيّاته انكوس
وإلا ايغدي ضمن المفاليس    في السجن مثلي اليوم محبوس

 

لم يروي ظمأ العريس انتشار ناره في هشيم المعازيم، بل زاده همّاً وهو يسمع تعليقات معازيمه بعد قراءتهم الرسالة النصية، واستغرابهم من تمرد العريس على قيم المجتمع الجديدة، مع أنه غُلب على أمره ولم يستطع تغيير ما فرض عليه من مستلزمات كمالية أفرغت جيبه، وأجبرته على الخضوع لما طلب منه  بحذافيره الدقيقة.

 

توقع الأصدقاء اختفاء العريس عن الأنظار خلال شهر العسل ليفرغ وقته لعروسه، ولم يتجرأ أحد بالاتصال لألا يعكّر صفو العريس المشغول بشريكة حياته، وباتوا يسألون عن وجهة العرسان بين المدن والبلدان، فواحد يقول بأنه سيذهب إلى البلدان الآسيوية شرقا وآخرون يقولون بأنه سيتبع غروب الشمس هاربا من حرارة الصيف في الخليج وسيتنقل بين الدول الأوروبية، ولكن لا أحد يعلم بأن صاحبنا العريس لا يستطيع الخروج من عش العصافير لضيق ذات اليد وخلو الجيب، فصار الجميع يحسده على هذه الخلوة الطويلة وهو في الحقيقة أمام طلبات الخروج التي لا يستطيع إجابتها ولا يستطيع الهروب منها وهو محدودٌ بين جدران أربعة، فما كان منه إلا أن يلوم أصدقائه الذين نصحوه بالزواج ورسموا له الحياة الأخرى بصورة خيالية وبعث إليهم واحدا تلو الآخر بالرسالة النصية التالية:

 

يا شيب حالي رحت ببلاش    وعني تخلوا أصدقايه
طحت ورمتني طيحة فراش    والعوق أصبح لي دوايه
أبغي خوالي ويعدم اللاش   وشهر العسل يكفي وكفايه
لأوّل سهير الليل خفّاش   حر ّ وطليق أعلى سمايه
واليوم بيتي بين لأعشاش   أرقد من المغرب ديايه
والصبح كني ف غرفة إنعاش    أبغي من الدختر عنايه
وإلا الصديق أشوفه انحاش     يللي نصحني بالغوايه
      

وبالتأكيد تفاجأ الجميع بحال العريس، فبعدما كان الجميع يغبطه ويحسده على أوقاته السعيدة، تبدلوا ليصبحوا شامتين كالأعداء وهذا ما سنراه في الأسبوع القادم.

 

ينقسم أصدقاء العريس إلى فريقين، الفريق الأول هم العزاب الذين حاولوا جل جهدهم في الحفاظ على زعيمهم وأكبرهم سنا بطبيعة الحال، ومنعه من التنازل عن عرش مملكة العزوبية، والفريق الثاني هم المتزوجون الذين زينوا له الحياة الزوجية وشجعوه لتسجيل الهدف الأصعب في مرحلة الشباب، ولكننا شهدنا في الحلقات السابقة كيف تمرد العريس على الفريق الأول ولم يستمع إلى نصائحهم الثمينة قبل أن يسقط الفأس في الرأس، وتأثر بتشجيع الفريق الثاني الأكثر خبرة والأكثر دراية بشؤون الحياة. واكتشف بأنه خدع من قبل فريق المتزوجين ووقع في الفخ المنصوب، وزاد على ذلك شماتتهم كما لاحظنا في الحلقة السابقة، لذلك لم يجد أحدا يشاطره الأحزان إلا فريقه القديم فبعث بالرسالة النصية التالية إليهم عسى ألا (يتشمتوا فيه) كالفريق الآخر عند عودته إلى العمل بعد انقضاء شهر العسل وألا يكون منبوذا بينهم بعد كل ما بدر منه تجاههم:

 

طاح الجمل وين السكاكين  يللي تقطعني شرايح
واستاهل أكثر أدري الحين    لي ما سمعت أغلى النصايح
مشيت في درب المجانين    لعرس رادّ إلا ورايح
مدري العقل امضيّعه وين    أكيد عني كان طايح
حد يشتري سجنه بتثمين    ويبيع عمره للمنايح
ويزعل أحبابٍ ملايين    ويعيش ما بين الفضايح
الله اكبر يا مسلـْــمين   باحسانكم ناديت صايح
شهر العسل شهر المساكين   أحزان ما فيها فرايح
امتى دوامي ليته الحين    واذبح من الفرحة ذبايح
 

 

لم يخب ظن العريس في حزب العزاب بعد أن تمادى في تمرده وتزوج، فقد هبوا لنجدته واحدا تلو الآخر، بعكس التيار الآخر أو حزب المتزوجين فقد ظلوا على عهد الشماتة، والعريس لم يتوقع كل هذا الوفاء من العزاب بعد خيانته العظمى فقد انهالت المكالمات الهاتفية (بالفزعة) والعريس في وضع محرج مع عروسه، فلم يجد إلا أن يهدئ روع أصحابه بالقصيدة التالية لعل وعسى أن يحظى باستقرار عائلي بعد أن تلقى تهديدا جديا بحجز هاتفه النقال من قبل وزارته الداخلية:

 

محجوز عني تيلفوني     يا الربع خفّوا لاتصالات
حطّيت ناس يراقبوني    وأصبحت لا أقيّل ولا أبات
الله على بلواي ْ عوني      يجلي ويفرج كل ضيجات
وإلا العرب لو يسعفوني     ما بينهم عاذل وشمّات
حد ٍ يغايضني وشجوني    ايزيد في حسرة وليعات
واللي يشاركني حزوني    ايرجع الحسرة بما فات
ما حد رد وأطفى شجوني      عبر المسج بحلو الأبيات

 

فقد أعلن العريس استسلامه ورضاه بقدره المحتوم، ولكنه بعث برسالته النصية كي يجد من يشاركه المحن ويخفف عليه وطأة السقوط في الفخ، فالزواج ليس أمرا ماديا كما كان يظن سابقا، بل اختيار دقيق لشريكة تقاسمه المأكل والمشرب والساعات الأربع والعشرين وربما أكثر من ذلك يوميا حين تكون الحياة غير مستقرة ومليئة بالمشكلات، وسنتابع في الحلقة القادمة ما جرى للعريس بعد شهر العسل.

 

 

كان العريس مطيعا في شهر الأول إلى أبعد الحدود لكي يهيئ للعروس جوا جميلا يعوضها عن بقائها في البيت وإلغاء رحلة شهر العسل، وذلك لخلو محفظته العامرة بعد معركة العرس. وسبّب إطاعة الزوج المثالي أزمة فقدان شخصيته في البيت فباتت الأوامر تصدر أمرا تلو الآخر وصاحبنا العريس مرغم تحت احتلال القوى العظمى في تحمل (الدلع الزائد) والاحترام الناقص، فتارة يكوي الثياب وتارة أخرى يجلب الطعام، وتارة تزعج تارة أخرى يوما بعد يوم، ليحاول العريس الهروب من البيت لعله يقلل من ضغط العمل عليه في الإجازة، لكنه فشل في ذلك فشلا ذريعا وكأني بلسان حاله يقول:

 

يا ناس أنا محبوس في البيت   حجرة صغيرة ما لها أبواب
ممنوع منها أطلع ولا آهيت    ولا آشم نسمة تنفح أطياب
جالس شرات اللي ترانزيت    وف الجو مالي حجز ركّاب
اتحكموا ف حالي الطواغيت    احريّم وتنهش بالأنياب
لي نادن النسوان لبيت    لا لي عذر ولا ليّه أسباب
مشكور يا الناصح وياليت    ما تنصح مْن اليوم أصحاب
وهقتني بالعرس وفلّيت    وخليتني في سجن لأرباب

 

وبالتأكيد وصلت الأبيات إلى هواتف أصدقاء العريس من جميع الأحزاب والتكتلات باتجاهاتهم المتنوعة، وتهيأ الجميع لتقبل الوضع الجديد والاستغناء عن وجود العريس بينهم بعد شهر العسل إلا في لحظات نادرة، فأماكن تنقلاته لا تتعدى البيت والعمل في أفضل الأحوال وأحسنها.

مرت الأيام بعد الأيام منذ أن تزوج عميد العزاب ولكن بالإضافة إلى ما تحدثنا عنه في الحلقات الماضية واجه صاحبنا ظروفا جديدة، منها تأخره في الإنجاب، وفتح هذا التأخير الباب أمام الآخرين ليهاجموه بالكلام قبل السلام وبالأجوبة قبل الأسئلة وأمام كل هذه الجبهات الجديدة سقطت خطوطه الدفاعية واحدا تلو الآخر وسقط مستسلما للقضاء والقدر راجيا من الله أن يفرج كربه ويسهل أمره:

 

أم العيال أبطت بلا عيال   وآنا أحسب الوقت وآصيح
أطلب من الله يحقق آمال    ويفرج الضيقات ويزيح
عن لا أطيح ب حلق عذّال    ويصيبني كل يوم تجريح
وين الجواب أرد لي سال   وآجيب له عذر ٍ بتلميح
غادي كأني ماي مشخال    أعرق مع صف المفاضيح
وإلا كأني فوق لحبال   مرتين في كل خطوة آطيح
طرش لي يا بو مجرن عوال      ولد الولد وإلا التماسيح
واسعف خوي ٍ وسط ولوال    يسئلك لو له كنت نصّيح

 

وكعادته أرسل الأبيات إلى صديقه (بو مجرن) طالبا المعونة وتخفيف ضغط الجماهير عليه، وفزع (بو مجرن) على غير عادته ملبيا النداء عارضا خدماته الجليلة، وشاهرا سيفه على كل من لا يراعي خصوصية صاحبه وظروفه، ومع هذا لم تهدأ الحرب الضروس كثيرا ولكن أزيلت خلالها الكثير من الهموم حين وُجد من يشد من أزر المتزوج الباحث عن طفل يحمل لقب تسميته، ويلون زوايا عالمه بالبهجة والسرور ويعطر أرجاء بيته بصرخات بكائه المعبرة عن حياة جديدة.

 

 

 

مشاهدة سجل الزوار لمراسلة الموقع التوقيع في سجل الزوار الصفحة الرئيسية

copyright www.uae20.com©2006