لنحفظ التراث

 

مبحث جديد يقدم من خلاله الشاعر مجموعة من الحلول الجذرية لحفظ التراث الإماراتي من الاندثار بفعل عصر العولمة بدأ نشره من شهر أغسطس 2006 في عمود البعد الآخر بمجلة زهرة الخليج وهنا نقدم الحلقات أسبوعيا.

 

 

كان كساد تجارة اللؤلؤ في الخليج سببا في تغير مجتمع الإمارات بعد أن كان مستقرا لعدة قرون، وبعد نصف قرن تقريبا من كساد تجارة اللؤلؤ تغير المجتمع باكتشاف البترول وتصديره  بصورة سريعة، وسرعة التغيير هذه أصبحت خطرا يهدد التراث ويسبب ضياعه، لذلك فليس من الغريب أن نجد هذا الاهتمام المفرط في مجتمعنا بالتراث وحفظه فالخطر كبير جدا وما نفقده يوميا من تراثنا غير بسيط ناهيك عن ضياع ما لا يمكن استرجاعه، وخلال هذه المقالات سأحاول طرح بعض النقاط التي تعبر عن رأيي الشخصي في الواقع الذي نعيشه اليوم لا لتقييم الجهود السابقة التي قامت في سبيل حفظ التراث بل لإيجاد حلول أخرى تواكب المتغيرات الجديدة وتستغل التقنيات الحديثة.

 

ففي السابق كان المهتمون يبحثون عن الشعراء والرواة لتدوين ما يحفظونه من تراث شفهي وما جمع حتى اليوم بجهود هؤلاء ليس بقليل ولكن يعيب هذا الأسلوب عدم توحيده في برنامج واحد لتعدد الجهات التي كانت تعمل في هذه البرامج. والأمر الآخر هو عدم وجود أرشيف لهذه المحفوظات الغير منشورة وحتى المحفوظات المنشورة فإنها غير متوفرة دائما لعدم متابعتها وإعادة نشرها، لذلك أجد اليوم حاجة ماسة إلى أرشفة الذاكرة الشعبية بنظام البيانات الرقمية أسوة بالموسوعة الشعرية التي أنتجها المجمع الثقافي ووضعه بعد ذلك في متناول العامة وإلى ذلك الحين ستكون للتقنيات المستجدة كلمة الحسم في إعادة طرح هذا المنتج وتسويقه فكريا قبل التسويق المادي وسنبدأ من الأسبوع القادم بشرح أبعاد التسويق الفكري.

تطرقنا في الفقرة السابقة إلى التسويق الفكري بدلا من التسويق المادي لأنه الأصل في حفظ التراث، فالتسويق المادي يستهدف المادة والحصول على أكبر قدر من الربح المالي، وأما التسويق الفكري فيسعى إلى التأثير على الثقافة والفكر، ويعزز هذا الجانب الاعتماد على الحس لزيادة التسويق الفكري كما هو الحاصل أيضا في الإعلان، فتحريك الحواس واستغلال أكبر قدر ممكن من الحواس المختلفة يسهل عملية التعايش الفكري، ووصولنا إلى معايشة التراث تعني الحفاظ على الموروث وجعله جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية.

 

 وأما عملية تحريك الحواس فإنها عملية غير بسيطة وتحتاج إلى متخصصين في المجال السمعي والبصري وهذا ما توفره لنا التقنيات الحديثة، ومنها إلى تحريك الحواس الأخرى التي تستطيع التقنيات التعامل معها، ولا يكفي أبدا الاعتماد على التقنيات بشكل كلّي فلابد من تحريك باقي الحواس بصورة مستقيمة وهذا الأمر يتطلب برامج دورية منظمة متخصصة المجال، ومن المهم أن تؤثر هذه البرامج على مجموعة من الحواس لتحقق أكبر قدر من التعايش في عملية التسويق الفكري.

 

والسؤال المطروح هو الهدف من التسويق الفكري قبل كل شيء، والهدف لا يكون إلا إيجاد وعي جماعي في المجتمع وانتشار هذا الوعي في كل شرائح المجتمع بغض النظر عن الأصول والجنسيات، فالمجتمع الذي يضم خليطا من البشر لا يمكن أن يعتمد على شريحة أو أقلية في تحقيق أهداف عامة، لذلك فإن التسويق الفكري عملية تظهر أهميتها يوما بعد يوم.

 

تطرقنا في المقال السابق إلى التسويق الفكري في سبيل الوصول إلى الوعي الجماعي لحفظ التراث في المجتمع، ووقفنا عند اختلاف شرائح وفئات المجتمع وربما هنا يكمن الخلل الذي أصاب جهود السابقين بحسب تقديري الشخصي، فالمجتمع تطور بشكل كبير خلال العقود السابقة وأصبح من المستحيل إلغاء الآخر ونحن في عصر العولمة والثورة الإعلامية، وعدد الوافدين والأجانب يساوي أضعاف المواطنين اليوم لذلك فإن مشاركتهم في حفظ التراث أصبحت ضرورة ملحة، فالضرر الوارد من إلغاء الآخر أكبر من احتواءه والجهود السابقة تطرقت بشكل بسيط إلى احتواء الآخر ولم تطرق إلى الاستعانة به أبدا.

 

نلاحظ الاعتزاز باللغة في بعض الدول بارزا بشكل كبير فعلى سبيل المثال نجد متحدث اللغة الإنجليزية في ألمانيا التي تعتبر لغتها أقرب لغة إلى الإنجليزية لا يلقى التجاوب بسبب اعتزاز الألمان بلغتهم، وهذا نوع من المحافظة على اللغة والإحساس بالخطر من غزو اللغات الأخرى، فالسياحة والاقتصاد والإعلام بالتقنيات الحديثة قربت المسافات والأشخاص وهذا الاختلاط برز من خلاله صراعا بين الحضارات وبالتأكيد لم يكن هذا الصراع ايجابيا لجميع الأطراف فوضعت الشعوب مصطلح حوار الحضارات للحفاظ على الهوية ومعرفة الآخر. وأما نحن فنعتبر من دول متعددة الجنسيات التي تتأثر بشكل أكبر وأعمق من الدول الأخرى، لذلك فمسألة الحفاظ على الهوية مسألة مهمة فما بالك بخطر زوال التراث وضياعه، لذلك فإن البرامج والخطط التي تعنى بالتراث يجب أن تكون دقيقة ومدروسة ومترابطة بين كل الجهات وعلى مستوى المجتمع.

                     

في مجتمع كمجتمع الإمارات متعدد الجنسيات multinational  بعد أن كان مجتمعا بسيطا يشكل السكان الأصليون الأغلبية قبل خمسين عاما يصبح خطر التغير وفقد الهوية الأصلية أمرا واقعا لا جدال فيه. وفي زمن العولمة globalization تحت ظل التجارة العالمية والثورة الإعلامية information revolution  الذي بدأ تأثيره في نهاية القرن العشرين أكثر وضوحا يصبح هذا الخطر أضعافا ولمواجهة هذا الخطر عرضنا بعض الحلول في المقالات السابقة بدءا من الوعي الجماعي إلى المشاركة الجماعية وعرضنا من خلالهما بعض الخطوط العريضة للحلول.

 

وفي هذا المقال سنتابع مجرى تلك الحلول من خلال تصدير التراث والترويج له، فلكل مجتمع تراث غني وقيِّم يحوي القصص والخرافات والشعر والرواية والملحمة و... ولكن يبقى دور التجميع والتصنيف وإعادة العرض والاستمرار مهما في عملية المحافظة على التراث والبقاء حيا مع التراث الإنساني في العالم أجمع، فالميدان انتقل من الصعيد المحلي إلى الصعيد الإنساني وأصبحت مسألة الحفاظ على الكيان التراثي أمام الهجمة الإعلانية الخارجية غير بسيطة. فالدعاية الإعلامية انتقلت من مرحلة الفتح pull أي البحث عن المعلومة بالبحث في مصادر المعلومات إلى مرحلة الضغط push أي تحرك المعلومة نحو الأشخاص بغض النظر عن مشيئتهم وإرادتهم، وهذا التغيير طبيعي لما للمنافسة الإعلامية الدور الأهم في التسويق الفكري ولا ننسى أيضا دور تقدم التقنيات الحديثة فمن التلفاز والمذياع المحدود بالموجات إلى القنوات الفضائية وإمكانيات الأقمار الصناعية والانترنت الغير محدودة.

التراث جزء كبير من ثقافة أي مجتمع والإنسان بلا ثقافة كائن فارغ من الوجود الحقيقي للإنسانية تجده منهارا أمام أتفه الأزمات، لذلك فإن المجتمع يثقف نفسه شاء أو لم يشأ بما يحس بحواسه الخمس وبما يفكر عشوائيا وهذه الثقافة العشوائية نتيجة منطقية لعصر العولمة والثورة المعلوماتية، لذلك لا يكون الحل بالمواجهة لضعف تراث مجتمع لوحده أمام التراث الإنساني  ولا يكون الحل أيضا بالانغلاق  فالتخلف عن ركب التقدم ستكون النتيجة بالتأكيد وهذا ما دعا إلى طرح مصطلح تصدير التراث، فالمجتمع الذي لا يحاول تصدير تراثه سيفقد تراثه بتأثير الثقافات الأخرى، فلو أخذنا النموذج الأمريكي لتصدير الثقافة سنجد بنطلونات الجينز منتشرة على المستوى العالمي و العائد من مبيعاتها أرقام فلكية، وهذا الانتشار لم يكن مصادفة بل بعد انتشار أفلام رعاة البقر cowboys من هوليوود ونجاحها وهذا مثال بسيط يعبر عن إحدى طرق تصدير التراث.

 

ولتصدير ثقافتنا عرضت في مقال سابق مصطلح الوعي الجماعي وانطلاقا من الوعي الجماعي في مجتمعنا نستطيع توسيع رقعة هذا الانتشار ومخاطبة التراث الإنساني ويجب علينا قبل ذلك التحدث بلغة يستوعبها التراث الإنساني وتستوعبها المجتمعات الأخرى والخطوة الأولى في هذا السبيل تبدأ من تحويل التراث إلى لغة التقنيات الحديثة، فالشلة تسجل في الاستوديوهات بتقنيات الصوت الحديثة ومؤثراتها وهذا ما تسبب في نجاحها بعد ما اقترنت بأصوات جميلة، ولكن أين الونة والحدوة والردحة من هذا النجاح وكذلك الحال مع نجاح الحربية واختفاء العيالة.       

 

 يجب علينا في البدء دراسة إمكانية هذا النجاح أولا فأسباب نجاح الشلة كانت سهولة خروج الألفاظ لتكون أقرب للفهم والتذوق وهذا ما جعل الشلة أكثر شعبية بين الجمهور بينما استغل بعض الملحنون المحليون الثروة اللحنية في الونة والردحة ليضيفوا على ألحانهم نكهات تراثية مميزة من دون أن يعلنوا ذلك أمام العامة كأن التراث ملك لمن يستطيع أن ينهل منه فقط وهذا ما حدث أيضا مع إدخال إيقاعات الحربية والعيالة في أغانٍ أخرى. وحبذا لو لم تكن هذه الجهود في سبيل أهدافهم شخصية فقط وأضافوا إلى هذه الأهداف غاية حفظ التراث ونشره وتعميمه.

 

ولتعميم النجاح نحتاج بادئ الأمر إلى استخدام التقنيات الحديثة بصورة سليمة تضيف الجديد المفيد ولا تشوه الأصل ومن هذا المنطلق نستطيع بعد ذلك إقحامه فنونا أخرى أكثر رواجا كتلحين أغنية على إيقاعات العيالة وليس بإلغاء العيالة وهي الأصل بعد أن نسرق منها ما يضيف إلى الأغنية، وهناك بين القديم والجديد مساحة نستطيع اختصارها بدمجهما في صورة يضيف كلٌ منهما إلى الآخر كأن تبدأ الأغنية بلوحة تراثية أو تتخللها هذه اللوحة التراثية، ولو لاحظنا أغاني ناظم الغزالي المطعَّمة بالمواويل والأبوذيات لاكتشفنا جدوى هذا الأمر ونجاحه. باختصار إن الفنون التراثية ناجحة بلا إضافات لأنها جماعية المنبع وتقبلها الذوق العام في برهة من الزمن وليست بحاجة إلى من يرسم لها النجاح، ولكنها مهددة بالانقراض لقلة وعي وإدراك الغافلين عنها بالجديد المؤقت.

 

 الدمج بين هذه الفنون واللوحات ليست سهلة وعملية الدمج هذه يجب أن تكون على أسس دقيقة، ولو لاحظنا عملية إدخال الموسيقى إلى الحربية نلاحظ تغير الأصل وهو فن الحربية إلى فن آخر وهو الغناء وهذا العمل وإن كان جيدا من ناحية الدعاية والتسويق ولكنه غير فعال على المدى الطويل لحفظ فن الحربية، فالأغنية لغة عالمية تتحدث بها كل شعوب المعمورة ولذلك نجد كل الجهود تنصب في تقديم هذا الفن وإذابة الفنون الأخرى فيه، ولكني أرى تقديم الفنون الأخرى من خلال هذا الفن أفضل وأنفع للتراث كأن تدمج في الكورال أو أن تقدم كوصلة ضمن الأغنية كما هو الحال مع الموال، وبذلك نستطيع تقديم الفن المراد في قالب فن آخر دون الإضرار بالجانبين.

 

وأما عن التقنيات الحديثة واستخداماتها في هذه الفنون فالأمر يعود إلى المتخصصين في هذا المجالات وإبداعاتهم، كأن يركزوا على جانب التسجيل ومشكلة الضوضاء ووضوح المخارج، وترشيد هذه التقنيات إلى ما يسهل عملية التلقي عند الجمهور فعلى سبيل المثال نرى إن التقنيات الحديثة توفر أمام مهندسي الصوت خيار تكرار صوت شخص واحد ليكون عدة أشخاص وهذا الخيار لم يستغل في تقديم اللوحات التراثية كالعيالة مثلا ولم نلاحظ محاولات جادة لتكرار أصوات عدة أشخاص من طبقات مختلفة للوصول إلى صوت كورال يناسب لوحة العيالة التراثية، وإن كنت قد استمعت إلى بعض الأغاني الحربية من فرق الفنون على القنوات الفضائية تخطت حاجز وضوح المخارج ولكنها توقفت عند هذا الحد ولم تقدم أصوات مختلفة.  

 

توقفنا في الفقرات سابقة عند تصدير التراث ومنه تطرقنا إلى أثر بعض التقنيات على التراث وأصول استخدام المستجدات التقنية في سبيل تسويق التراث فكريا، وقبل أن نكمل ذلك أود أن ألقي الضوء على بعض الأعمال والبرامج التراثية التي أضافت بصمات مهمة في العقد الأخير.

 

 ومن هذه البرامج برنامج المسابقات التراثي الذي كان يقدمه الراحل فوزي الخميس فقد استطاع هذا البرنامج الجماهيري تقريب المسافات الزمنية وطرح ما كان عرضه مقصورا على القراءة أو المشاهدة أو الاستماع إلى واقع ملموس وكسر حاجزا مهما وهو تحريك الحواس لتسهيل التعايش الفكري، فالمشارك في البرنامج شاهد بعينه ركوب الناقة ولم تكن هذه المشاهدة كالمشاهدة القديمة التي تعتمد على الأفلام الأرشيفية بل كانت توضح الفارق الكبير بين تمرس السابقين ومدى بعدنا عن ما ننتمي إليه ونتفاخر به فحياة التمدن غيرت ملامحنا كثيرا ولم نعد نعرف ملامحنا القديمة إلا بعد أن شاهدنا الفرق بين ما نحن عليه الآن وما كنا عليه سابقا، وهكذا دواليك مع باقي الحواس وبالذات حاسة التذوق التي قلما تطرق لها منفذ إعلامي إذا استثنيت جهود مهرجان دبي في مفاجآت المأكولات، فالرؤية والاستماع سهلة النقل في التقنيات الحديثة وربما يكون نقل بعض الروائح العطرة من خلال بعض المجلات بداية لتحريك حاسة الشم في بعض القنوات الإعلامية الكلاسيكية ومن بعدها باقي الحواس ولكني أتوقع قريبا نجاح التجارب الجادة في نقل تركيبة خلطات العطور المختلفة وإعادة تركيبها وتسويقها الكترونيا، لتبدأ من جديد المنافسة من منفذ جديد.

 

لست بصدد تقييم جهود من سبقنا في مجال حفظ التراث فنحن نقدر هذه الجهود ونعترف بفضلها علينا وعلى تراثنا ولكننا بصدد إكمال هذه المسيرة في زمن التمدن والتكنولوجيا ومن ثم تقديمه للأجيال القادمة، وسنكمل هذه السلسة بعرض تجربة نادي تراث الإمارات في حفظ الشعر الشعبي ونلاحظ انفصال عمل لجنة الشعر الشعبي عن مجلة التراث وهذه الفجوة بين جانبين في جهة واحدة لم تحقق للجهتين التخصص المنشود في العمل، بل قلل كثيرا من النتائج التي كان يتوقع الحصول عليها من تكامل الجهتين، وحبذا لو كانت الجهود على مستوى الدولة منظمة في مسير واحد وتتكامل لتعطي نتائج أكثر نفعا.

 

في بداية ظهور أجهزة التسجيل في المنطقة فطن الكثير من ذلك الجيل إلى ميزة انتقال الفكر والمشاعر عبر الصوت بدلا من الكتابة، وحتى يومنا هذا نلاحظ إرسال بعض العمالة الفقيرة رسائلها عبر الأشرطة المسموعة ليتعايش المرسل إليه مع المرسل في جو واحد وليس للأمية والقصور في استخدام اللغة المكتوبة فقط،  وبالعودة إلى جهود لجنة التراث التي نشرت العشرات من دواوين شعراء الإمارات، وهناك عشرات الدواوين التي كانت تحت التحقيق قبل أن تلغى اللجنة، فإن عدم اهتمام النادي بالبحث عن الصوتيات ونشرها أفقد بريق القصائد المكتوبة كثيرا ناهيك عن عدم استغلال مجلة التراث في برامجها أو عدم استغلال مجلة تراث اللجنة في برامجها أفقد الشعر جانبا مهما من جوانب الإعلام والتسويق، وقد أخذنا هذا النموذج لبيان بعض ما يعانيه العاملين والمسئولين في مجال التراث أنفسهم قبل ما يعانيه غيرهم من الجمهور.  

 

استنتجنا في الفقرات السابقة أن خطط الحفاظ على التراث يجب أن تكون مترابطة ومتكاملة وعلى مستوى المجتمع لأنها منطقيا متعثرة لو كانت تنتهج أساليب أخرى، فالتراث ثروة تشكلت من تفاعل جماعة مترابطة في فترات زمنية متواصلة، والسبيل الوحيد لحفظه هو تواصله كما بدأ وعدم انحرافه بتغير الظروف.

 

واستكمالا للنماذج السابقة نرى برنامج المسابقات التراثي عبر أثير إمارات FM  حاز على نجاح كبير بتقديم حارب السويدي وفقد البرنامج هذا التميز بتغير مقدمه مع كل الاحترام للأخوة المذيعين، وهذه مسألة مهمة يجب دارستها ومن وجهة نظري الشخصية أرى في نجاح تجربة حارب السويدي نقاط كثيرة وأهمها استمرار التراث عبر لهجتنا العصرية ولو وضعنا هذه النقطة في الحسبان وقارننا بين هذا البرنامج والبرامج التراثية التقليدية التي كان يشرف عليها الأستاذ القدير علي التميمي من السبت إلى الأربعاء على إذاعة أبو ظبي عصرا نجد اللهجة المقدمة فيها متأخرة عن عصرنا أو بعبارة أخرى تناسب كبار السن، وحتى التقديم في هذه البرامج استمر بالأسلوب الجاد وقدم لنا برامج جافة مع إنها كانت تتضمن المسابقات والمكالمات الهاتفية والقصائد والفقرات والفواصل العديدة والجميلة التي كانت تزخر به مختلف البرامج وإن كانت تقدم بصورة مشابهة، وبهذا الأسلوب وفي هذا التوقيت اليومي لم تجذب هذه البرامج الجيل الجديد  من الأطفال والمراهقين والشباب واتسع الفارق بين جيل الأمس وجيل اليوم، فالأصل في تقديم هذه البرامج هو جذب جيل اليوم بدلا من استقطاب جيل الأمس وتقديمه عبر ماضيه وفصله عن الحاضر وهذا ما لم يحدث في إعداد البرامج.

 

في هذه الفقرة سنبحث جدوى المنافذ الإعلامية وطرق تطويعها لخدمة البرامج كي تستقطب أكثر شرائح المجتمع وصولا إلى التسويق الفكري، فلا يخفى على أحد الدور البارز الذي يلعبه الإعلام في مجال التسويق ولكن لما لا تحظى بعض البرامج النجاح المنشود بالرغم من إعدادها الجيد.

 

سنبدأ بالبرامج المتخصصة التي تحاول إبراز جانب تراثي واحد  كالبرامج الشعرية سنراها ناجحة بين شريحة الشعراء وغير ناجحة بين باقي شرائح المجتمع أي أنها لا تسوق الشعر وهذا يعود إلى تكثيف الجانب الشعري في هذا البرامج، فمعدوها يرون هذا التكثيف عاملا من عوامل نجاح البرنامج، ولكن هذا النجاح يكون فقط في أوساط الشعراء ولا يستدرج الآخرين أبدا بل يوسع الفارق بينهم وبين الأدب ويبعدهم عن الشعر والشعراء وهنا تكمن المشكلة.

 

وهذه المشكلة نتجت من عدم إدراك معدي تلك البرامج بأن القنوات الإعلامية منافذ للعامة، ويستطيعون من خلال هذا القنوات جذب الجميع بلمسهم الجوانب العامة المشتركة كالجانب الإنساني والجانب الاجتماعي والجوانب الأخرى التي تلمس عامة الجمهور، ومثال ذلك برنامج دانات الذي تقدمه الإعلامية نجاح المساعيد فقد لاحظنا نجاح الحلقات التي تعرف فيها شاعرا وتاريخه وحياته في مسكنه وبين عائلته بين جميع الأوساط لأنها بذلك تلمس جوانب أخرى عامة وهذا ليس سر نجاح البرامج بل أصل معروف من أصول إعداد البرامج والتسويق الناجح في الإعلام.

 

لم يواكب تطور الشعر في العصر الحديث تطورا في النقد الأدبي وهذه المشكلة باختصار سببت الإخلال في الموازين والمعايير التي أدى بدوره إلى عدم وضوح الرؤية في المشهد الأدبي، ولا يعير الكثيرون الاهتمام لهذه النقطة بل يتجاوزونها كون الساحة الأدبية لا يوجد فيها حركة نقدية في الأساس ولكن لا يعنى هذا تجاوز النقد والاعتماد على الشعر الدارج والجو العام ضمن معنى الذوق أو فرض تصنيف يستند إلى عضلات الدعاية والتسويق، بل نحتاج إلى النقد كي يصل شعرنا إلى الأدب الإنساني ونستطيع الخروج من الحركة الدائرية التي تكلفنا الجهد الضائع.

 

فلغة النقد هي اللغة المفهومة بين الأدباء باختلاف لغاتهم وهذا ما نلاحظه في تداخل الأدب الفرنسي والإنجليزي على سبيل المثال وبروز المدارس الأدبية المختلفة بوضوح توجهاتها وأساليبها مما يسهل تذوق القطع الأدبية من أول وهلة، بعكس ما يحدث في ساحتنا الشعبية فيصنفها الكثيرون بأدب عامي لا يتعدى البيئة التي نشأ منها بدلا أن يكون نتاج إنسانيا يخدم البشرية.

 

ولست لائما هؤلاء بل المشكلة تكمن في ضعف الحس النقدي لدى المتلقي لاسيما الشعراء والأدباء والمصيبة الكبرى في انقراض النقاد، وأما عدم اهتمام الجهات الأدبية بمعالجة هذه المشكلة فهذه طامة كبرى يعاني منها الجميع بوعيه أو دون أن يشعر، فالخروج من البوتقة لا يأتي بالتسويق الفكري الغير واضح بل يحتاج إلى تصحيح وضع المشهد الأدبي وتأسيسه من جديد على بنية تحتمل الصعود إلى أعلى القمم.

 

عرضنا في مجموع الفقرات السابقة بعدين لتطوير التراث في عصر تكنولوجيا المعلومات، البعد الأول هو البعد الداخلي الذي يؤثر على الحس ويسهل عملية التعايش الفكري، أما البعد الثاني فهو البعد الخارجي الذي ينافس في مجال التسويق التجاري وينطلق من البعد الأول في قالب التقنيات الحديثة، وقد مررنا من خلال هذين البعدين بمراحل متعددة وعرضنا معوقات وحلول مختلفة وكل ذلك في سبيل المحافظة على التراث في عصر يختلف عن العصور الأخرى.

 

فالعصر الجديد عصر يشكل فيه الإزعاج الذهني مساحة كبيرة، فالهاتف النقال لا يغلق طوال اليوم والقنوات الفضائية تعمل ساعات متواصلة والشبكة المعلوماتية في متناول اليد متى شئنا، ناهيك عن زحمة العمل والعائلة والأصدقاء في مدن لا تنام وكل ذلك يمر بنا كعواصف يومية يؤرق منامنا، وأصبح العامل المجهد جسديا أهدأ مناما وأصفى ذهنا من موظفي المكاتب، وفي هذا الجو المشحون نجد للراحة والاستجمام أهمية كبيرة في حياة الفرد لذلك فإن دخول الفنون التراثية من خلال هذه الأوقات فرصة مناسبة للتسويق الفكري بدلا من الدخول في أوقات أخرى تفقد العمل المعروض غايته المنشودة.

 

ربما لا يشعر البعض بصعوبة التحديات التي نواجهها بسبب التطور التقني السريع في العقد الأخير، ولكن ما ستفرزه هذه التقنيات المعلوماتية و من نتائج ستكون وخيمة جدا إن لم ننتقل من مرحلة التوريد إلى مرحلة التصدير بإنتاج جيد ومنظم.

 

مشاهدة سجل الزوار لمراسلة الموقع التوقيع في سجل الزوار الصفحة الرئيسية

copyright www.uae20.com©2006