الصورة الشعرية

 

الخيال كان دائما مرتبطا بالإحساس في الشعر الشعبي و استخداماته لم تكن إلا للضرورة و لصالح القصيدة و لأداء مهمة كما هو واضح في المثال الآتي لفتاة العرب:

 

مطِّ قلبي روحي و شقَّـه                   و اسرقه من داخل اجسامي

غصب لا رافة و لا رقَّة                   لا و لا يداخــلهم ارحـامي

 

يصنف البيت الأول نوع من المجاز حيث القلب يمط الروح و لكن هذا التصنيف لا يكفي لإبراز جمال هذا البيت حيث نرى في البيت الثاني استمرار الصورة كتشبيه تمثيلي مما يؤكد قوة الخيال لدى الشاعرة و لكن في الأدب الإنجليزي تكون هذه الصورة أرقى كثيرا من كونها مجازا و تسمى بالحس المختلط أي Synesthesia  بل أصعب أنواعه حيث تتبادل الحواس القدرات ما بينها و هذا ما هو سائد في الشعر العربي الحديث عندما يبدل حس خاصيته مع حس آخر لتوصيف المحسوس ك (( اشتم رائحة الألوان )) مثلا و الحواس الخمس معروفة لدينا و المؤكد أنها ليست خمس فقط إنما هي الحواس التي استطاع العلم تفسيرها و هناك الحاسة السادسة أو الحدس على سبيل المثال لم يستطع العلم تفـسيره و لكن من الصعب أن ينكر أحد أن للقلب قوة و جاذبية و إحساس و هذه من مواصفات الحواس و خروج الشاعرة هنا من حدود  الحواس الخمس نقطة إيجابية و النقطة الأكثر أهمية  ليس على المستوى الأدب الشعبي فحسب إنما  الأدب العالمي هو توظيف هذه الحاسة بحاسة أخرى مشكلة بذلك صورة شعرية متحركة لا تستطيع حتى الخدع السينمائية بالمؤثرات رسمها الكلام يطول في هذا السياق ، لنتمعن هذا البيت :

 

كني غريق ٍ في بحر نوح                     لونا في السفينة هوب ناجي

 

أولا إن التشبيه التمثيلي قوي جدا لدرجة أننا نعتقد أن الصورة واقعية و ليست تشبيهية و لكن لماذا اعتقدنا أن الصورة واقعية و ليست خيالية أي أننا لا نبحث عن وجه الشبه في هذه الصورة مع بروز أداة الشبه ( كأني ) بصورة واضحة جدا و السبب هو استدراج الشاعرة للمستمعين بصورة ذكية جدا فالاعتقاد لدى المستمع بأن من ركب سيفنة نوح سينجو بالتأكيد و لكن الشاعرة هنا تضاربت مع الاعتقاد الديني و التاريخي القوي في داخل المتلقي و جلبت الأنظار إلى نقطة أخرى و هي البحث عن السبب الذي أدى إلى عدم نجاة هذا الشخص الذي ركب في سفينة النبي نوح و صرفت أنظارهم عن البحث في وجه الشبه بين هذه الصورة و الصورة السابقة و لم أجد لهذا الإبداع تصنيفا حتى في الأدب العالمي  ( صنف بعض المحدثين بالصورة المتحركة بعض هذه النماذج )و يمكن للسوريالية تفسير هذا النوع من الخيال المرهف حيث يرى السورياليون ( المكتب الذي ظهر في فرنسا سنة 1920 Surrealism   ) إن دخول ما وراء الواقعية و هي المنـــطقة التي يقدر الشاعر التحرك بصورة اكثر حرية منطلقا لإبداع الشعر  الحقيقي ، فقصة النبي نوح واقعية و نجاة من معه اعتقاد لا يقبل الشك و عدم نجاة الشاعرة في هذه الصورة هو ما وراء هذه الواقعية و هذه ليست حالة وحيدة في ديوانها :

 

و لا بحنا بسعاي النميمة                   بسرٍ كان في المكنون غايب

 

فالسر واقع موجود و إن كان مكنونا في نفس الشاعرة و هذه الواقعية وما وراء الواقعية أن هذا السر الذي تتحدث عنه الشاعرة غائب و هي تتحدث عنه و الغائب هنا بمعنى الضياع أو عدم الوجود فكيف يحدث هذا و هي تمتلك السر و هنا يوضح لنا تعمد الشاعرة استدراجنا الى ما وراء الواقعية للتأكيد باستحالة الوصول للسر و يتجلى لنا موهبة الشاعرة في استخدامها للأدوات المناسبة في الوقت المناسب.

العودة إلى صفحة البعد الآخر

 

مواقع أدبية لمراسلة الموقع سجل الزوار الصفحة الرئيسية

copyright www.uae20.com©2006