العشوائية

 

في البدء كان النظم هو الفارق بين النثر والشعر قبل ولادة الشعرية من النظام القائم في القصيدة بين الوزن والقافية ولكن اليوم ذهبت التجارب الحديثة إلى إبراز الجوانب الشعرية متحررة من الوزن والقافية كما هو الحال في قصيدة النثر، لذلك وجب على هذه الحرية تقديم تجارب واضحة الملامح ولكن ما حدث في الحقيقة كان أقرب لمخلوق مشوه لم تتقبله الذائقة السليمة لا لبعدها عن موسيقى التفاعيل بل لعدم إدراك الشعراء جميع الجوانب الشعرية وتركيزهم _كما ذكرنا سابقا_ على الصور المبهرة بغض النظر عن تنسيقها وتوحيد خلفياتها مما أدى إلى تشويه النص الأدبي رغما عن روعة مقاطعها وعدم رسوخ القصيدة في ذائقة المستمع.

 

لست معارضا للقالب النثري في الشعر بل العكس أرى في هذا القالب مستقبل القصيدة ولكن الوضع ليس بهذه السهولة التي يراها شعراء النثر وأيضا شعراء التفعيلة والقصيدة العمودية المتأثرين بعشوائية الحداثة بدلا من وضع أسلوب يحقق ما فقده النص فمن غير المعقول أن يأخذ الغموض كرسي الوضوح ويتقبله الذائقة أو أن يأتي الرمز ويتجول في القصيدة دون إشارات واضحة إلى المرموز ويحرك ساكنا، ومن هنا بدأت إشكاليات التقنيات والأدوات الحديثة فالشاعر لا يحسن استخدامها والمتلقي لا يتأثر بها وحتى من يستوعب جزءا من النص الشعري لا يتلذذ بحل المعادلة الصعبة كنشوة طالب الرياضيات، خلاصة القول أن المذهب السائد في التجارب الحديثة بجميع قوالبها مذهب رومانسي يعتمد على ما يفرزه شاعر النص الذي لا يلتفت أبدا إلى المتلقي وربما لا يلتفت حتى إلى نفسه وإن التفت إلى القصيدة التفت إليها بعشوائية لا تساعده على إظهارها بملامح مقبولة، وأنا أجزم بأن أصحاب هذه التجارب لا يعلمون عن نظم البنية شيئا فكيف لي أن أطلب منهم استكشاف نظم العشوائية التي وصل إليها العلم الحديث.

  

نقل مصطلح الوحدة العضوية النص الشعري من تفكك البنية إلى تماسكها حيث ارتبطت الأبيات بعضها ببعض وتأثرت بذلك المفردات أيضا ومن قبل هذا كان مصطلح الوحدة الموضوعية مؤثرا في تخصيص كل قصيدة لموضوع معين، ومع ظهور تجارب الحداثة أثرت العشوائية في القصائد على بنيتها بشكل كبير حين تركز جل اهتمام التجارب الحديثة على الجوانب الخيالية من البلاغة وعلى الإسقاطات الحسية وأهملت الجوانب البنيوية، ولكن هناك أيضا شعراء آخرون لم يهملوا هذه الجوانب ولكنهم وقعوا في إشكاليات أخرى نظرا لتركيزهم على عناصر الدهشة أو الغموض، فاختاروا موضوعا غير واضح لقصيدتهم و آخرون جعلوا موضوع قصيدتهم قالبا يسبكون أفكارهم فيها ليصبح موضوع قصيدتهم بلا محاور وتسببوا في انتشار مرض (الوحدة المحورية) وشوهوا القصيدة بالعيوب الخُلقية وإلى اليوم لم تنجح التجارب الحديثة بين فئات الشباب كما وجب أن يحدث وحتى فئة النخبة لم تتذوق شيئا إجماليا من هذه التجارب وإن حاولت إظهار ذلك فالحقيقة المرة التي وصل إليها الجميع واضح ولكن الأغلبية تجهل أسباب هذا الانهيار و والوحدة المحورية كما أشرت سابقا من العوامل المهمة التي أضفت طابع الملل على القصائد فالغزل أصبح موضوعا للقصيدة وكذلك الرثاء والمدح بعدما كانت أغراضا تندرج منها المواضيع المختلفة ولكل موضوع جذاب محاور مختلفة تبعد الملل عن سامعه وهذا ما افتقده أغلب شعراء الحداثة مع بروز ازدواجية الغرض والموضوع ولعل عناصر الإبهار والدهشة حافظت على ماء وجه هذه التجارب لتنتقل القصيدة من تجربة مكتملة الجوانب فكريا وحسيا وعاطفيا وبلاغيا إلى عدة مشاهد جزئية كأن كل مشهد قصيدة وبذلك أصبحت القصيدة مجموعة قصائد صغيرة طول كل واحدة منها عبارة شعرية أو شطري بيت أو ربما أقل من ذلك أو أكثر بقليل.

العودة لصفحة البعد الآخر

 

مواقع أدبية لمراسلة الموقع سجل الزوار الصفحة الرئيسية

copyright www.uae20.com©2006