الإستعارة

  

 التشخيص قسم من أقسام الاستعارة و هو خلع المشاعر و الصفات البشرية أو الكائن الحي على الطبيعة Pathetic Fallacy أوprosopopeia وأكثر استعارات الشعراء تشخيصية، مما جعل عكس هذه العملية نادر الوجود أو قليل الاستخدام، لنر هذا المثال:

 

طيفك الشفاف في نومي ضواني     ما يفارقني لا صباح و لا مسية

 

الاستعارة في هذا البيت تشخيص جميل، ولكن الجو العام للبيت يحير المتلقي بين الواقع و الخيال حيث ( الطيف) كما في الاستعارة التمثيلية السابقة ربما يكون له تلك الحركة، و الولوج إلى عالم الشاعر ولا وجود للاستعارة، وأظن أن التشخيص قد بدأ من هنا طبيعيا وقد تعمدت ذكر هذا البيت لننتقل مع فطرته الشعرية في استكشاف عالم الخيال:

 

صوتك الموسيق فالهاتف لفاني   أوصويت الراعبي في الموسمية

 

في هذا البيت نلاحظ التشخيص في حركة الصوت وهو نوع من ( تراسل الحواس ) أو synesthesia  وهذا الازدواج يدل على وحدة الجو النفسي و الحسي، و يؤكد لنا مدى صدق إحساسه و بعده عن التصنع الذي يعرقل الشعراء في إبداعاتهم:

 

بنشدك لي مريت يا ريف      داره عسى تكفى من اللوم

 

التشخيص في هذا البيت متكامل فلفظ (الريف) استعار من الإنسان الإرادة في فعل (مريت)، والفكر في فعل ( بنشدك)، والإحساس في مصدر الفعل (اللوم)، ناهيك عن الصورة الخيالية الجميلة في هذه الحركة، والعلاقة القوية بين الشاعر و (الريف) و التي تبين لنا مدى صدق مشاعره و يضفي على النص شعرية فطرية و صور جزئية كما قلنا سابقا بأبعاد متواصلة و ممتدة، لنر هذا البيت الرائع لسموه حيث (القرب) يبدو كإنسان (يزيح) (العوق) عن مكانه، في صورة تأتي سلسة على قمة الإبداع الفني:

 

 ارحم رحمك الله لوريتني تشافيت  قربك يزيح العوق مني  وليعاته

 

 

التجسيم هو إكساب المعنويات صفات محسوسة مجسدة، حيث يقدم التجسيم الأفكار والخواطر والعواطف الملموسة، وهو قسم من الاستعارة يحاول تقريب المعنويات إلى عالم المحسوس:

 

سر في الهوى و لا تخافي    دربك     و نته النبه الحليم

 

في هذا المثال أصبح (الهوى) مجسدا، ويقبل التحرك من خلاله و ما لفظ ( دربك) إلا امتداد تصويري_ كما أشرنا سابقا_ استطاع به الشاعر إحياء الاستعارة الغير محسوسة، لأن أغلب حالات التجسيم صعبة التخيل لارتباطها بالمعنويات أولا و ثقافة المستمع و تذوقه مقصد الشاعر قبل تخيله الصورة ثانيا:

 

حبكم وسط الحشا سادي         لو  جبل  متحمله   كله

 

التجسيم واضح في الشطر الأول لكن الشطر الثاني جاء معززا لهذا التجسيم كامتداد تصويري، وأصبحت الصورة الجزئية أكثر تألقا، حيث لفظ (جبل) في الشطر الثاني يطرح مقارنة بينه وبين لفظ (الحشا) في شدة التحمل من ثقل الحب، وهذه الصورة الجميلة لم تتحقق باستعارة تمثيلية، كما هو محسوس بل بالامتداد الذي أبدعه الشاعر في صياغة عبارة أخرى  وطرح المقارنة المذكورة:

 

قلبي   معبأ   منك    بنضود           و لا له مجال ايضيف و ايزيد

 

في هذا البيت أيضا نلاحظ ذلك الامتداد التصويري ونلاحظ أيضا تحديد مجال امتلاء القلب و هذا التحديد يؤكد لنا التجسيم، بعكس البيت التالي الذي يؤكد لنا فيه بأن محدودية المكان في (البعد) مهما كان مقداره لا يوازي (الشوق) اللامحدود الذي يحسه الشاعر والشوق هنا يخرج من حدود التجسيم:

      

شوقي لشوفك غير محدود          لو انته نائي و عني بعيد

 

 

توقفنا في الأقسام السابقة عند خروج الاستعارة من الحد الفاصل ل (التجسيم) كنوع من أنواع الصورة الجزئية القابلة للإدراك و التخيل أكثر من الاستعارات الأخرى و تواصلا مع ذلك الموضوع نكمل الأمثلة:

 

تبتهج نفسي بروياكم     من مزايا تلتقي فيكم

 

الموهبة الشعرية السليمة والمشاعر الصادقة تبعد الشاعر عن التصنع و تحير المصطلحات النقدية في شرح أبسط الأبيات، فبهجة النفس في الشطر الأول تعتبر استعارة إن لم تكن النفس تبتهج، و وصفاً إن كان عكس ذلك، وكذلك (التقاء المزايا) في الشطر الثاني في حيرة بين التشخيص و التجسيم، وأستطيع القول بأن الشطر الأول استعارة بتشخيص (النفس) لتعبير الشاعر عن ذلك بوقوفه شاهدا، والشطر الثاني أيضا أقرب لتشخيص (المزايا)، وذلك للامتداد التصويري كما أشرنا في المقالات السابقة لنر مثالا آخرا:

 

لك موقع ٍ في داخل القلب به حطيت      حبك ملا قلبي تحكم بنبضاته

 

في هذا المثال نرى التجسيم واضح في الشطر الأول، والامتداد التصويري في البيت الثاني يستمر بالتجسيم، ولكن في نهاية البيت نرى التحكّم في النبضات و تحوّل الاستعارة من التجسيم إلى التشخيص، ولا يوجد أي تناقض بل تمازج جميل ومبدع في صورة رائعة الجمال، حين يعرض لنا القلب بالتجسيم و الحب بالتشخيص، وهذا التحول يبين لنا أن هناك طرف و آخر، و يوضح بكل براعة نفوذ حب الطرف الآخر في قلبه، فالحب لا يحكم سيطرته على القلب هنا بصراع أشخاص بل بدخول الكائن الحي (الحب) و تصرفه في الطبيعة (القلب)، وهذه الصورة الجزئية المكتملة تحلق بالمستمع إلى أوسع فضاء آت الخيال.

 

أشرنا سابقا إلى رأي عبد القاهر الجرجاني بأن غاية التشبيه الحفاظ على المعنى الحقيقي لطرفي التشبيه، بينما الاستعارة تقوم على عملية انتقال في المعنى من مدلول إلى مدلول، وجاء في كتاب البديع لأسامة بن منقذ بأن الاستعارة هو أن يستعار الشيء المحسوس للشيء المعقول، و هذا التعريف الجميل يبين لنا الغاية من الاستعارة أكثر من تعريفها، و هذه الغاية لا تتوافق مع غاية التشبيه، حيث أنها تبلورت مع كثرة استعارة الشعراء:

 

و حبي اتزايد شعيله           و ما لذ إليه المنام

 

استعار الشاعر الأول في الشطر الأول الاشتعال للحب، وفي هذا المثال لا يتلذذ المستمع بوجه الشبه بين النار و الحب بل مصدر اللذة، كما أشار أسامة بن المنقذ هي محاولة الإحساس بالحب ( الشيء المعقول ) بالاشتعال ( الشيء المحسوس )، و ليس للمستعار منه ( النار) أي  دور في ذلك،  والواضح بأن الحب بهذه الاستعارة أكثر حرارة و تأثيرا لنر مثالا آخرا:

 

يعل الغضي لك فالي         ينهل مورد هواك

 

لو جاء الشطر الثاني ( ينهل قلبه هواك ) لما كانت الصورة بهذه الروعة، لأن الشاعر لا يريد تصوير صورة خيالية فقط عن الموضوع بل ما يريده أبعد من ذلك، و هو التحرك من عالم المعقول إلى المحسوس حيث الصورة عند الشاعر يتحرك فيها ( الغضي ) لينهل من مورد ( الهوى) ويروي عطشه بعكس افتراضنا، ف (القلب) ينهل من ( الهوى) بصورة أفضل لكنه بعيد جدا عن عالم المحسوس، ولا يحتاج لتشخيص ( القلب) حيث ( الغضي ) يقوم بهذا الدور لذلك نرى أن هذه الاستعارة الفرضية و إن كانت أوسع خيالا، لا تقنع لذتها المتلقي كثيرا في هذه المساحة الضيقة.

 

 

تحول الشيء المعقول ( الغير محسوس) إلى شيء محسوس، وظيفة هامة للاستعارة كما جاء في تعريفها لأسامة بن المنقذ نظرا لقوتها في تحريك خيال المتلقي، وانطلاقا من هذا التعريف عرضنا بعض الأمثلة، وتوقفنا عند التقاء الأشياء الغير محسوسة لتشكيل طرفي الاستعارة، وإمكانية رسم صورة مؤثرة. و بما أن الصورة تحتاج إلى أبعاد الزمان و المكان و الحركة و الحس، فإن أطراف الاستعارة تتأقلم مع هذه الأجواء و تنتقل من عالم المعقول إلى عالم المحسوس في الخيال، و النموذج التالي مثال واضح: 

 

أفضيت سرٍ خافي    في قلبي منكتم

 

يتشخّص (السر) من الشطر الأول إلى الشطر الثاني و يتجسّم (القلب) حيث الحدث يقع فيه، والاستعارتان تتداخلان و تتمازجان في صورة واحدة، وتعرف بالاستعارة المختلطة mixed_metaphor   في الأدب الإنجليزي، و لنر هذه الأبيات من شعر سموه و نلاحظ حركة ( العشق) و تأثيره في (الفؤاد):

 

و العشق ضمن التقاليدي      بين كل الناس موجودي
صابني منه بتحديدي        في فوادي و ورّث ايهودي

 

إلى هنا ربما يظن البعض أن الاستعارات ميتة dead_metaphor بحكم  استخدامها المتكرر و لكن الأبيات التالية تثبت أصالة و نقاوة فطرة الشاعر في استخدام الأدوات الشعرية:

 

و شاد له في باطن سعيدي      قصر و مزخرف بالورودي
منزلٍ زانه بتشييدي          كمّله و فاق لحدودي

 

نلاحظ المساحة الواسعة المستخدمة في طرح هذه الصورة الجزئية، و محاولة إقناع المتلقي بواقعية الحدث فيها بالامتداد التصويري في الاستعارات، حيث أصبحت بعد موتها حية مفعمة بالحياة.  

 

و العشق ضمن التقاليدي         بين كل الناس موجودي
صابني منه بتحديدي              في فوادي و ورّث اجهودي

 

الأبيات السابقة تبدأ باستعارة مستهلكة، ولكن الشاعر أبدع في تحويل هذه الاستعارة إلى صورة كلية جميلة في الأبيات اللأحقة:

 

و شاد له في باطن سعيدي         قصر و مزخرف بالورودي
منزلٍ زانه بتشييدي             كمّله وفاق لحدودي

 

و هذه الصورة الكلية لا تخلو من نقاط متميزة عديدة، منها بعض الكلمات التي تساعد على التعمق في الصورة، ففي الشطر الأول نجد (ضمن) يحدد نظرتنا للتقاليد و(بين) في الشطر الثاني يدخلنا بين الناس، وهكذا(منه) في الشطر الثالث و (في) في الشطر الرابع و(باطن) في الشطر الخامس، وهذا التعمق يشبه دوائر متتالية متحدة المركز، وهذا المعنى أيضا تؤكده الصورة الكلية التي رسمها الشاعر، حيث بدأ بعالم معنوي (العشق) و حاول أن يقربه و يدمجه مع طبيعة البشر، و ميز نفسه عن غيره بتوصيف حالته. لنر حركة العشق الذي ينبع من البيت الأول، و يصيب كل الناس و الشاعر مع اختلافه عنهم بوصف الحالة، فالعشق الذي أصاب الشاعر بسيط و لكن فعله كان كبيرا حيث أصاب فؤاده، لنتبع حركة العشق في البيت الثالث حيث يتعمق الشاعر مرة أخرى في الصورة، ويبني في داخل الفؤاد قصرا و يزخرفه بالورد (لاحظ الامتداد التصويري في الزخرفة و الإيغال في القافية في آن واحد)، وهناك نقطة إيجابية أخرى تنضم لأخواتها و هي مفردة (باطن ) وتدل على تعمق الشاعر في الصورة، وصولا للبيت الرابع حيث يأخذ ( منزل ) مكان ( القصر ) كما أخذ ( سعيد ) مكان ( الفؤاد) في البيت الثالث لتأكيد الصورة، من باب استحضار الشيء مرة أخرى، وكذلك لعدم وجود محسن بديعي للتكرار، ونستطيع اعتبار هذا العمل محسنا بديعيا في الشعر الشعبي وسنأتي بذكر مصطلح التبادل في فصل البديع لاحقا تعقيبا على هذا الموضوع،وأما لذكر المنزل بعد القصر لا يقلل أبدا من قيمة هذا المكان بل إشارة إلى بناء القصر بيد مالكه، فعادة لا يبني القصر الملك بل يبنيه ويؤثثه ويزينه آخرون  بينما المنزل علامة مفردة توحي بتشييد المالك له وتأثيثه وتزيينه .

 

العودة إلى صفحة البعد الآخر

مواقع أدبية لمراسلة الموقع سجل الزوار الصفحة الرئيسية

copyright www.uae20.com©2006