المحسنات البديعية

 

من قرون عديدة صنف النقاد العلاقة اللفظية و الشكلية بين الكلمات داخل جسد النص الأدبي بهذا العلم حيث للكلمة و وقوعها بين الكلمات الأخرى علاقة وطيدة و تبرز هذه العلاقة من تجاور عدة كلمات جنبا إلى جنب أو حتى كلمات متباعدة في الجملة الشعرية الواحدة و في القصيدة عامة، فالمفردة لها إيحاء خارج الجملة و لها إيحاء مختلف داخل الجملة و ذلك يرجع إلى عدة دوائر تبدأ من دائرة الجملة -بغض النظر عن النص- بأكمله و دائرة القصيدة بغض النظر عن العبارات الداخلية و هذا نوع من الصراع بين الوحدة العضوية و الوحدة الموضوعية في القصيدة  نرى ذلك في مثال إحدى الأبيات التي يقول فيها احمد بالكندي     :             

يا طايرة طايرة بالجو شليني       ما دام مقصدك صوب أهلي و خلاني

أنا اترجاك و انتي لا تخليني        أحب داري و لا دار البريطاني

 

إلى أن يصل إلى  البيت الأخير بعد أربعة أبيات:

 

أبغي الصبر لكن الأشواق تشويني     صوب المحبين لا أول و لا ثاني

 

هنا الجناس الكامل واضح في الشطر الأول من تكرار مفردة (( طايرة )) و كذلك الترادف بين (( صوب )) و ((مقصدك )) و الطباق (( أترجاك )) و (( تخليني )) و هذه نماذج من بعض العلاقات في الأشطر بغض النظر عن القصيدة.. كذلك نرى الشاعر يصل من البيت الأول إلى البيت الأخير في الموضوع ذاته ولا تشعر بأن هناك اربع (4) أبيات محذوفة و يعبر عن قوة الوحدة الموضوعية و يؤكد الوحدة العضوية و تناسقها مع الموضوع و لكن كيف لنا أن نستكشف الدائرة الكبيرة  التي ذكرناها سابقا ...!؟ الملاحظ في البيت الأول حركة الطائرة قوية جدا في فعل (( شليني )) و تستمر في البيت الثاني تلك الحركة بفعل عكسي (( لا تخليني )) و هكذا في الأبيات التالية:

 

يا ما حلا خاطري يومٍ توديني       و أشوف بيتي و خلّاني و بزراني

هم يرتجوني كما رجوى الطراشيني    و الطفل لي ييتهم قال اللبو جاني

 

نشاهد الأفعال الصريحة التي تتحرك في (( توديني )) ثم (( جيتهم )) و (( جاني )) و هكذا إلى نهاية القصيدة و هذا ما قصدته بالعلاقة البعيدة بين المفردات التي لم أعرف لها تصنيفا في المحسنات البديعية.

 

 

صافني يا صخيف الخدي       يا حسين اللون و الهاية

 

في معرض حديثنا عن المحسنات البديعية حاولنا إبراز بعض الجوانب الغير مصنفة و مطلع قصيدة صاحب السمو رئيس الدولة الذي بدأ المقال به قصير الأشطر و لكنه بداية جميلة جدا لقصيدة تعبر عن مدى انفعال الشاعر بالكلمات فجميع مفردات الشطر الأول تشترك في نوع من أنواع الجناس لم أصل إلى تصنيف صريح له في المحسنات البديعية و لا في أنواع الجناس حيث الجناس هو تعريف تشابه المفردات دون النظر إلى المعنى و أنواعه عديدة منها الشكلية كالتام و الناقص والمزدوج و منها الموسيقية و التي تعتمد على اللفظ كالمحرَّف و المصوّت و نرى في مطلع القصيدة (( صخيف )) مفردة تشبه (( صافني )) و كذلك (( الخدي )) في بعض الحروف و هذا التجاور بين هذه الكلمات الثلاث يعطي ذلك الإحساس الذي نتذوقه في تشابه مفردات الجناس ومن الصعب أن يكون هذا التجاور في هذا المكان الضيق صدفة غير مقصودة حيث مفردة (( صخيف )) و التي ترتكز عليها المفردات الأخرى لتشكيل لذة الجناس  قد انتُقيت بعناية بدليل وجود كلمات دارجة أخرى بديلة ك (( رهيف )) أو ((  نعيّم )) أو ... أو بصورة أخرى و نستطيع أن نصنفها  بالجناس المصمّت حيث حرف الصاد المكرر و حرف الخاء المكرر نوع من الجناس الذي يسمى في الأدب الإنجليزي consonance   و يعبر عن الأحرف الصامتة في سياق القصيدة.

 و الأمر الآخر هو أن مطلع القصيدة هو الذي يعبر عن مضمون القصيدة وهذا الامر عبارة عن مدخل مهم للموضوع .. كذلك يؤكد لنا الشاعر  تركيزه على هذا الجانب في البيت الثاني حيث تتحرك مفردات الشطر الأول بموازاة شطر البيت السابق  

ما صفيت إل غيركم حدي           يا شفا روحي و منوايه

 

فمصطلح ومفردة  (( ما صفيت )) تحاكي (( صافني )) وبالمثل (( حدي )) و (( خدي ))  و هذا بشكل قاطع يعبر عن مدى اهتمام الشاعر في جذب انتباه  المخاطب بهذا المطلع الرائع .

 

 العودة إلى صفحة البعد الآخر

مواقع أدبية لمراسلة الموقع سجل الزوار الصفحة الرئيسية

copyright www.uae20.com©2006