كأنها دخلت باطن الشاعر واكتشفت الأسرار الدفينة في القلب الخلي إنها بيان الروح وقراءة في قصيدة "يا راحلا" لخلي القلب

 

 

يَـا  رَاحــلاً  رُوحِـــي  بِــــه ِ   تَـتَـمَــزَقُ

لِـمَـسَـافـةٍٍ  مَـــا  بَـيـنَـنـا   تَـتَـفَــرقُ

 

يَدعُـو   الـوِدَاعَ   وَ  دَعوَتِـي  أَدعُـو    بها

رَبَّاه ُ  لِي   فِي   الغرب ِ  شَمسٌ     تُشرِقُ

 

يَــا شَاكِـيـاً جُــرحَ الـفِـراقِ   بِغُـربَـةٍ

لِي     فِي   رُبَى   الأوطَاِن  جُرحٌ   أَعمَـقُ

 

إِن   كُنتُ   مِن حَرِّ   النَـوَى لا   أَشتَكِـي

فَالـعُـذرُ   أَنِـــيَ    شَـاعِــرٌ    يَـنـطِـقُ

 

أحـتـاج مــا بـيـن اللـيـالـي   قـبـلـة

مـا  بــال   مــن   شفـتـاه   لا تتـصـدقُ

 

فَلَعَلَّ  نَفسِـيَ  مِـن   خَيالـكِ تَكتَفِـي

لِـلـحَــيِّ   رَبٌ   لَــــو   أَرَادَ سَــيَـــرزِقُ

 

زِد لا أُبــالــي بـالـغـيـابِ    فَـكـلَّـمــا

زَادَ  الــعَــذابُ  تَـوَجُـعــاً    أَتَــشَــوّق

 

ما  خِلتُ  صَدريَ  في اللقاءِ   مسامحاً

ينسـى   المآسـي  حينـمـا      نَتعـانـقُ

 

لكـنَّ  مـا   فـي الحـبِّ   يبقـى خـالـداً

الـعـمـرُ يـذبــلُ  و الـهــوى  يـتـألــقُ

 

تـدري   لمـا   يهـواك َ قلبـي   هكـذا ؟؟

فالـصـبُ يتـعـبُ عنـدمـا لا  يَعـشـقُ

 

 

يـــا راحلا... قراءة شخصية

قصيدة الشاعر الإماراتي ( خلي القلب )... والموسومة بعنوان يا راحلا .. قصيدة تحمل من ملامح الشوق الكثير .. ففيها يحاول الشاعر أن يزيح عن النفس هم الشوق .. وهم الغياب .. وهم العذاب المرتبط بهما .. فيناجي المحبوب الراحل بلفظ يكاد لو وضع وحده في مكان لاهتزت أركان ذاك المكان ... يا راحلا .... يـــــا راحلا .. ومن فينا لا يناجي الراحلون .. من فينا لا يملك راحلا ودعه نبض الفؤاد فيمم شطره وجه العذاب...

لو تجولنا في هذه الحديقة الوارفة من المعاني والتشبيهات لوجدنا أنها تحمل الكثير مما لن يستطيع القلم الحديث عنه ليس لأنها صعبة .. ولكن لأنه إن تناولنا ما فيها حرفا حرفا لما وازينا ما فيها من معانٍ أي قدر يذكر .. لذلك فقصورنا أحيانا يجعلنا عاكفين عن أن نستطيع لم شتاتنا أمامها ...
 

يَـا  رَاحــلاً  رُوحِـــي  بِــــه ِ   تَـتَـمَــزَقُ

لِـمَـسَـافـةٍٍ  مَـــا  بَـيـنَـنـا   تَـتَـفَــرقُ


مناجاة رائعة لشخص ذاك الحبيب المبتعد رويدا رويدا .. وفيه ما ينبئ عن أن الفراق لا يزال في البدء ...إذ أن لفظة لمسافة ما بيننا تتفرق ...أنه لا تزال هناك مسافات ابتعاد تزداد رويدا رويدا ... مما يمنحنا إحساسا بعمق الفراق الواقع على شخص هذا الحبيب وحبيبه ... كما وأن تمزق الروح وحده كفيل أن يجمع كافة ما في الفراق من معاني ... فالتمزق لابد أن يعقبه محاولة للرتق ولكن هيهات أن تستطيع النفس رتق ما تمزق من الروح أمام روح تبعدها المسافات رويدا رويدا ....

 

يَدعُـو   الـوِدَاعَ   وَ  دَعوَتِـي  أَدعُـو    بها

رَبَّاه ُ  لِي   فِي   الغرب ِ  شَمسٌ     تُشرِقُ


من هو الذي يدعو الوداع ؟؟ من .... هل تراكم تدركون كيف يكون الوداع حين الدعوة ؟؟..... وهل تدركون دعوة الملهوف المفارق حبيبا له يغيب عن سماءه فيشرق في سماء غيره ...؟؟ هذا هو قلب المحب حين يكون صادقا ... يغيب في وجهه ضياء الدنيا ونورها ... ليشرق في مغرب الوجود ... والتشبيه هنا أعطى دلالة كبيرة على ما يعانيه الشاعر من تمزق نفسي تجاه ما حل به من كارثة بغياب هذا الحبيب ... فما حال الدنيا دون شمس تعانق فيافيها... وما حال العيون حين يغيب عنها نور البصر الذي يمنح للحياة في النفس ألقا ووهجا .... وما حال الحبيب ... حين يغيب ... يغيب ... يغيب ... عنه روح تشاطره ذات الحاجة وذات الألق ...

 

يَــا شَاكِـيـاً جُــرحَ الـفِـراقِ   بِغُـربَـةٍ

لِي     فِي   رُبَى   الأوطَاِن  جُرحٌ   أَعمَـقُ


هنا انتقال بالقاري والسامع والمتلقي بصفة عامة من حالة إلى حالة ومن منطقة لأخرى .... إذ بعدما كان يناجي روح ذاك الحبيب ... ينتقل لذاك الغريب الذي يشكو الغربة وأوجاعها .. ويشكو فراق الأحبة والأوطان .... فيخاطبه مخاطبة القريب ... يا شاكيا جرح الفراق بغربة ... أنت .. نعم أنت أيها المجروح جراء غربتك ووداعك لروابي الوطن ...... هل تدري ..هل تدرك ..أن لي في ربى الأوطان وفي حضن القلوب ... جرح أعمق من جرح غربتك ... ففراقي للمحبوب وهو قربي أنكى وأكبر وأجدر بأن ينعى ويذكر .... هو الأولى أن أشكو غربته .... فليست الغربة غربة الوطن ....إنما غربة الروح عن الروح ... غربة الوجدان وهو يسكن الوجدان ... غربتك حين تسكن في الأرواح فتجد تلك الأرواح خاوية منك .... من نبضك .... من حبك وشوقك .... وآلامك وآهاتك ..... فكيف بعد هذا تشكو الغربة أيها الغريب .... كيف تشكوها وأنا أعاني ما أعانيه ......أوليس هذا ما يبثه إيانا قلب هذا الشاعر المكلوم في وداع حبيبه ......

 

إِن   كُنتُ   مِن حَرِّ   النَـوَى لا   أَشتَكِـي

فَالـعُـذرُ   أَنِـــيَ    شَـاعِــرٌ    يَـنـطِـقُ

 

هنا مدافعة شخصية عن وجدان هذا المحبوب .... فإن كنت أصبر وأتجلد لما أعانيه ..فليس ذلك لأني لا أعاني ولا أتجرع المرارة ....إنما لأن عذري لأني شاعر لجم كل ما فيه .... فبات لا ينطق .... بات لا يريد الغوص أكثر فيما يعانيه ....أ وليست أعمق الجروح و أنكاها تلك التي لا نستطيع وصفها ونأبى الحديث عنها .... لله درك من شاعر امتلأت وفاء .. وحبا .. وألما ...فماذا بقي للقلب بعدها كي يتحدث .....؟؟ وماذا بقي للسان أن ينطق .....وأنت نزفت ألمك هنا ...... فبت لا تقدر على النطق والشكوى ولله الشكوى دوما .....

 

إِن   كُنتُ   مِن حَرِّ   النَـوَى لا   أَشتَكِـي

فَالـعُـذرُ   أَنِـــيَ    شَـاعِــرٌ    يَـنـطِـقُ

 

أحـتـاج مــا بـيـن اللـيـالـي   قـبـلـة

مـا  بــال   مــن   شفـتـاه   لا تتـصـدقُ


وأخيرا بدأت نفس الشاعر تعبر عما تحتاجه هذه الروح وعما تحتاجه هذه النفس .... ومن منا يستطيع صد ما قد تعانيه روحه وما قد تحتاجها نفسه ... هنا يناجي الحبيب ببداية يملؤها الألم واللوعة .... حين يصرح بحاجته ... أحتاج مابين الليالي قبلة ...... وأواه من قبلات العشاق وروعتها حين تفيض بقلب عاشق ونفس مرتاحة لوجود الحبيب قربه ..... فما بالك أيها الحبيب .... ما بال شفتاك لا تتصدق ..... ومن الذي يتم التصدق إلا المحروم ..... أنظروا هنا لروعة التشبيه ....إذ شبه الروح بالمحروم الذي ينتظر من يتصدق عليه .... ينتظر من يرأف بحاله فيتصدق عليه بما يسد رمقه ..... ولكن الرءوف هنا ليس أي شخص ..... وليست الصدقة كأي صدقة يمكن أن تقدم ....إنها صدقة من محبوب طال أمد غيابه وهو في الروح يسكن ....والمداد هنا هو ...... صدقات الشفاه حين تعانق الشفاه فلا يبقى للوجدان إلا أن يذوب بحضور آسر ... وتواجد دائم يدوم بوجود يختلف عن كل وجود .... وما أجملها من صورة تجمع بين الحبيبين .....وقد أجاد شاعرنا هنا في صياغتها على أكمل صورة باختياره الجزل للألفاظ مما أعطى لمعناها وافر الصورة والخيال ... ليطلق العنان لما قد يثيره الفكر من صور ومفاتن ...... وبعد أن يمتعنا بمشهد الحاجة الماسة لما يبتغيه ... يخاطبها قائلا .... لعل نفسي بهذا الخيال وهذه الصدقة أن ترتوي وان تجتاح النفس عواصف السكينة وتخمد نيران الشوق فأنتِ وان ابتعدت لو أراد المولى أن يحقق لي هذا الأمل فسيحققه وسيرزق من حيث لا أدري .... فكم أنا بحاجة لهذا الطيف فقط لأحقق به ومعه ما أصبو إليه وأرنو .....

 

زِد لا أُبــالــي بـالـغـيـابِ    فَـكـلَّـمــا

زَادَ  الــعَــذابُ  تَـوَجُـعــاً    أَتَــشَــوّق


لو تأملنا هذا البيت جيدا لوجدنا فيه من العزة والشموخ الكثير .... ولرأينا فيه من العذاب والألم الكثير ... ولوجدنا فيه من التحمل والصبر الكثير أيضا .... فزد ...زد ما شئت في الغياب وأكثر علي منه فكم هو رائع مذاق الشوق والانتظار كلما زاد العذاب وزاد الألم .... بالله عليكم .... هل هناك من مناه العذاب ويرى فيه جمالا وعذوبة ..... هل تسمحون لي أن أجيب ... أو تراه هذا البيت بالذات أجابكم ؟؟
نعم هناك من يرى في العذاب راحة وجمالا وعذوبة ... هناك من أمنيته العذاب ويحتمل تبعاته .... فكلما ازداد بالقلب العذاب وكلما طالت به ليالي الفراق كلما ازداد الشوق للقيا الحبيب المغرم به هذا القلب ......

 

ما  خِلتُ  صَدريَ  في اللقاءِ   مسامحاً

ينسـى   المآسـي  حينـمـا      نَتعـانـقُ

 

لكـنَّ  مـا   فـي الحـبِّ   يبقـى خـالـداً

الـعـمـرُ يـذبــلُ  و الـهــوى  يـتـألــقُ


هنا تتجلى النفس المتسامحة مع كل ما يفعله المحبوب وكل ما يعانيه هذا القلب الصب .... فهذه الصورة التي يرسمها بعد كل ما سبق من فعل الحبيب لهي صورة يصعب على القلب تقبلها ويستحيل على العقل تصديقها ... فهل بعد كل ما فعل هذا المحبوب يجد قلبا مسامحا .... نعم .. فما ظننت أن هذا القلب حين اللقاء سينسى كل ما كان منك ... أو هل يريد أي قلب في الكون قلبا يعانقه ويكمل معه مسيره كمثل هذا القلب ؟؟ ... فكيف بالعناق الذي تذوب معه كل الأوجاع وكل المآسي وكل الانتظار .. فرغما عن أنف كل المحطات التي وقف فيها القلب منتظرا واستهزأت به سكك الحديد فيها إلا أن القلب يستحيل ألا ينسى كل وجع حل به لحظة عناقه المحبوب.... فما في الحب يخلد على الدوام لأنه حب يخلد بخلود هذه الروح التي سكنها هذا الحب ......فرغم ذبول العمر وزيادة الأوجاع .. نجد الشيء الوحيد الذي يتألق هو هذا الهوى الذي لف هذه الروح وعانقها ... فكأنما هي صورة أبدعتها ريشة فنان ساحر ... ففي لحظات الذبول .... يشع نور يبهج الكون ..... هو تألق هذا الحب وديمومته ....ما أبهاها من صورة وما أروعه من تشبيه .....

 

تـدري   لمـا   يهـواك َ قلبـي   هكـذا ؟؟

فالـصـبُ يتـعـبُ عنـدمـا لا  يَعـشـقُ



وفي الختام لابد من سؤال .... سؤال يهز أركان النفس .. ويزلزل ما تبقى فيها من قوة احتمال ومن محاولات التجلد ..... إذ هل تدري أيها المحبوب لما يصبر القلب ولم يتحمل ما يتحمله من نواك وهجرك وصدك ....هل تدري لم يهواك قلبي ...؟؟...... وتأتي الإجابة واضحة ... صارمة لا نقاش فيها .. ولا مجال لأي شك .... فالصب يتعب عندما لا يعشق .... هل حقيقة يقرها شاعرنا أم أنها نقطة على السطر من أجل بداية جديدة .. من أجل نبض جديد .... ليس لغير من عشقه ..إنما من أجل من ذبل العمر لأجله وهو ينظر للساعات المعلقة فوق الجدارن في المحطات ... في المطارات .. وفي متاهات القلوب ..... فعلا ..... الصب يتعب عندما لا يعشق .... يتعب عندما لا يعشق....



 

تلكم لم تكن سوى محاولة للغوص أكثر فيما حملته تلك الأبيات من معاني عديدة أسبغت على القصيدة رونقا خاصا بها .. كما أكسبها اسم (( خلي القلب )) كبير الرونق .. فمن يا ترى يستطيع أن يتحمل ما تحمله هذا القلب ..... الذي يدعي أنه - خلي القلب -... أحبتي ... كثيرة هي القلوب التي تدعي أنها خالية ... فهل بعد ما قرأنا يمكننا أن نصدق أننا أمام قصيدة لشاعر قلبه خالٍ .. مجرد علامة تعجب لا أكثر ....

 

قراءة شخصية للفاضلة: بيان الروح

العودة لصفحة القراءات

 

مواقع أدبية لمراسلة الموقع سجل الزوار الصفحة الرئيسية

copyright www.uae20.com©2006