ولادة الشعر

ربما تكون ماهية الشعر مصدر جدل كبير بين فئات عديدة و هذا الجدل يعود لعدم  رجوعهم إلى الوراء و الإجابة على سؤالنا كيف ولد الشعر ، المرحلة الهامة في تاريخ الشعر هي المرحلة التي لزم فيها وجود الوزن و القافية في القصيدة و كانت هذه المرحلة بداية لتشكّل الشعرية فتحديد الشاعر بالوزن من ناحية و بالقافية من ناحية أخرى جعله يبدع طرق أخرى للبوح بما يريد قوله أو بما يتطرق ليصل المقصد و من هذا  ((الحد )) تطور الحديث من البوح إلى الوصف إلى التعبير  و هذا ما يحدث عند العامة في الانفعالات المختلفة و كذلك الصور الشعرية من التشبيه إلى الاستعارة إلى الكناية و هكذا الأساليب و لكن المهم في هذه المرحلة هو بروز الشعرية كعنصر أساسي في القصيدة بعد ما كان مقتصرا على الوزن و القافية .

في البدء اكتشف الإنسان التعبير الفردي الارتجالي بتلحين ذاتي  و ربما كانت القافية سابقة ، مهما تكن الإجابة يبقى للشعر لذة في الوزن و في القافية فبعض الناس يحب الشعر و يتذوقه من قوافيه و البعض الآخر يتذوقه في إيقاعات أوزانه و البعض في شعرية القصيدة و الشعراء أيضا كذلك و هذا ما يتعصب لأجله الأغلبية عندما ينضم لفريق دون الآخر خلاصة القول أن الوزن ولد في الشعر و القافية كذلك و من ثم الشعرية أي أنها إفرازات طبيعية و ذرية شرعية للقصيد و ما يحدث اليوم في سبيل تجاهل بعض هذه الضوابط كالوزن و القوافي مناصرةً للشعرية أمر غير طبيعي و ما يحدث ما هو إلا أساليب جديدة و قوالب مستحدثة لا أكثر و الحداثة يجب أن تكون أبعد من ذلك بكثير  فالواجب علينا كشعراء و نقاد عبور  منطقة الشعرية و استكشاف ذائقة المجتمع  و طرح مولود جديد بغض النظر عن القوالب و الأساليب ،  فالشعر النثري و التفعيلة و حتى توجهات شعرائنا  التقليديين كلها تنصب في مكان واحد ، أي بعبارة أخرى إذا كان الشعر الموزون يستطيع تقديم جميع جوانب الشعر المنثور من صورة و حس و إيحاء و   ( بغض النظر عن حرية الشاعر ) فأين الحداثة  ، لست معارضا للشعر بجميع قوالبه الموزونة المقفاة و التفعيلة و النثرية بل العكس حبذا أن يكون للشعر تلك القوالب و لكن المرجو من الجميع الوصول إلى شاطئ الإبداع و التطور أو إلى بر الأمان بأضعف الإيمان .

 

مسألة شعرية النص الأدبي من المسائل المهمة عند المبتدئ و الشاعر المتمكن من أدواته،  فالشعرية في الأصل مقياس لجودة القصيدة و هذا بحد ذاته مصدر مهم من مصادر التقييم و من هذا المنطلق يبحث الشاعر عن الحدود التي تفصل النثر عن الشعر و يصدم بالأمور الظاهرية كالوزن و القافية على أنها القوالب التي تشكل القصيدة و لكن مع استمرار الشاعر في هذا الطريق يفقد الشعر بريقه و يصل بالشاعر إلى مرحلة الملل من النص لعدم اكتمال الجوانب الشعرية الأخرى.

 

النثر نص أدبي تثير كلماته نشاطنا الفكري و تكيفه و أما الشعر فكلماته تهدئ هذا النشاط أو توقفه كما يقول ( روبرت دي سوزا  )  وعلى هذا الأساس لا يحتاج النثر إلى الوزن و القافية لتخدير المستمع بعكس الشعر و الأفضل أن يعتمد الشاعر على جوانب الشعرية الأخرى عوضاً عن الوزن و القافية لكي لا تفقد القصيدة جمالها حينما تتحول إلى نثر أو تترجم إلى لغة أخرى.

 

و من أهم جوانب الشعرية في القصيدة ( الصورة الشعرية  ) المتشكلة من التشبيه و الاستعارة و الكناية و جميع الطرق الأخرى التي تؤدي إلى فضاء أوسع تخدم بالصورة الشعرية مجريات القصيدة و أيضا   ( الحواس  ) و أسلوب التعبير عنها أو وصفها أو تزاوجها بما يخدم سياق القصيدة فاللمس و الشم و الرؤية و ... تتأثر بالشعرية و الشاعر الجيد من يقدر تحريك نشاط هذه الحواس و تحديد درجة التفاعل اللازمة فعندما نريد التعبير عن حب الوطن يصعب القول عن الدموع في حب الوطن مع أن الدموع تعبير أقوى عن البهجة و العكس في حب الخلان صحيح، فعلى الشاعر اختيار درجة التفاعل المناسبة للمواقف المختلفة و أيضا جانب آخر كثر استعماله في عصرنا و هو ( العاطفة ) فنراها حاضرة في جميع القصائد حين تختفي باقي الجوانب اختفاء دائم في تجارب شعرية كثيرة و هناك جوانب أخرى كالموضوع الغير عادي حيث يستفز المستمع و يحقق النجاح كما نراه عند بعض كتّاب الأغنية و تركيزهم على هذا الجانب، خلاصة القول أن للشعرية جوانب متعددة و وجود هذه الجوانب يستطيع الشاعر من خلاله معايشة الجمهور لفترة طويلة و هذا يفسر ظهور بعض الأسماء و اختفائها و تألق بعض القصائد و سقوطها بعد فترة.

 

للوهلة الأولى يعتقد البعض أن كاتب المقال متأثر بمبدأ الفن للفن الذي اعتنقه الرومنطيقيون في أوروبا و لكن الحقيقة أن هذا المدخل باب لدراسة الشعر بعيد عن العوامل التي لا تنتمي إلى ذات الشعرية و لذلك سنتناول في الأسابيع القادمة نماذج عملية لدراسة الشعر الشعبي بأسلوب نقدي حيث القصيدة تجربة شعرية منفصلة بذاتها و لا تعبر إلا عن نفسها و النقد ما هو إلا إضاءة العتمة عن سرّ جمال و عذوبة الأبيات التي تؤثر في داخل المستمع و الشاعر للوصول إلى أدب راقي و متميز و الاستفادة من تجارب خصبة لشعراء ينهلون من معين الموهبة و يقدمون لنا إبداعا يجب علينا أن ندرسه بالصورة السليمة و سنهتم بنصوص و نحاول فك طلاسمها على أمل تحريك أمواج الساحة الأدبية نحو شاطئ الفكر.

 

العودة إلى صفحة البعد الآخر 

 

مواقع أدبية لمراسلة الموقع سجل الزوار الصفحة الرئيسية

copyright www.uae20.com©2006